حماية رموز الثورة بين التشريع والمساءلة.. ما الإجراءات القانونية الممكنة؟
حماية رموز الثورة بين التشريع والمساءلة.. ما الإجراءات القانونية الممكنة؟
● مجتمع ٢٢ أكتوبر ٢٠٢٦

حماية رموز الثورة بين التشريع والمساءلة.. ما الإجراءات القانونية الممكنة؟

أعادت الأحداث التي رافقت مباراة ناديي الكرامة والوحدة، مساء الثلاثاء 20 تشرين الأول 2026، في صالة الفيحاء بدمشق، فتح النقاش حول الحماية القانونية لرموز الثورة السورية، عقب تداول تسجيلات مصورة قيل إنها توثق هتافات مسيئة للشهيد عبد الباسط الساروت، أحد أبرز رموز الثورة، ما أثار ردود فعل غاضبة ومطالبات بالتحقيق والمحاسبة، في مقابل نفي نادي الوحدة أن تكون الهتافات قد تضمنت إساءة إليه.

وأثارت الحادثة تساؤلات حول النصوص القانونية التي يمكن الاستناد إليها لمساءلة مرتكبي الإساءات بحق رموز الثورة، ومدى الحاجة إلى تشريع خاص ينظم هذه المسألة، إلى جانب مسؤولية المؤسسات الرياضية في منع السلوكيات المسيئة والتحريضية داخل الملاعب، وضمان التعامل معها وفق إجراءات واضحة وعادلة.

وتبرز أهمية هذا النقاش في ظل المكانة التي تحتلها رموز الثورة في الذاكرة الجماعية للسوريين، وارتباطها بتضحيات الشهداء والمعتقلين والمهجرين وعائلاتهم، وما يفرضه ذلك من ضرورة الموازنة بين حماية كرامة الضحايا وصون الذاكرة الوطنية، وضمان حرية التعبير والنقد المشروع.

غياب تشريع خاص بالإساءة إلى رموز الثورة

قالت الحقوقية وعضو مجلس الشعب نور عبد الغني عربو، في حديث خاص لشبكة شام الإخبارية، إن الإساءة إلى رموز الثورة السورية تطرح إشكالية قانونية تستدعي معالجة تشريعية واضحة، في ظل عدم وجود قانون خاص يجرّم هذه الأفعال بذاتها.

وأوضحت أن التوصيف القانوني لأي واقعة يرتبط بطبيعة الفعل المرتكب والظروف المحيطة به، ومدى انطباق النصوص الجزائية النافذة عليه، ولا سيما إذا تضمن تحريضاً أو تهديداً أو سلوكاً يعاقب عليه القانون.

وأشارت إلى ضرورة التمييز بين الإساءة إلى رموز الثورة وتمجيد نظام الأسد البائد، موضحة أن المادة 14 من الإعلان الدستوري تضمنت حظراً لأفعال محددة مرتبطة بتمجيد النظام السابق ورموزه، بينما لا يوجد نص خاص مماثل يتعلق بالإساءة إلى رموز الثورة.

وبيّنت أن غياب التشريع الخاص لا يعني بالضرورة انتفاء المسؤولية القانونية عن جميع الأفعال المسيئة، إذ يمكن مساءلة مرتكبيها عندما تستوفي الوقائع أركان جرائم منصوص عليها في القوانين النافذة.

وأكدت أن تحديد المسؤولية والعقوبة يجب أن يستند إلى نص قانوني واضح، مع مراعاة طبيعة السلوك والأدلة المتوافرة، وعدم افتراض وجود جريمة لمجرد إثارة الفعل استياءً أو اعتراضاً مجتمعياً.

مطالبات بتشريع يحمي كرامة الشهداء ورموز الثورة

دعت عربو مجلس الشعب إلى دراسة إصدار تشريع خاص يعالج الإساءة إلى رموز الثورة السورية، ويحدد الأفعال التي تستوجب المساءلة والجزاءات المترتبة عليها، ضمن ضوابط قانونية دقيقة تمنع التعسف في التطبيق.

وأوضحت أن الحاجة إلى هذا التشريع ترتبط بمكانة الثورة في التاريخ السوري المعاصر، وبالتضحيات التي قدمها السوريون خلال سنوات المواجهة مع نظام الأسد البائد، وما تمثله الشخصيات الثورية من رمزية لدى الشهداء وذويهم والمعتقلين والناجين من الانتهاكات.

واعتبرت أن حماية هذه الرموز تمثل جانباً من صون الذاكرة الوطنية والاعتراف بمعاناة الضحايا، خصوصاً في المرحلة الانتقالية التي تتطلب معالجة آثار الانتهاكات السابقة وتعزيز الثقة بين مكونات المجتمع.

وأكدت أهمية أن يتضمن أي تشريع مقترح تعريفات واضحة للأفعال المحظورة، وأن يميز بين النقد الموضوعي للشخصيات العامة والإساءة التي تنطوي على تحريض أو تمييز أو تبرير للانتهاكات.

كما شددت على ضرورة تناسب الجزاءات مع الأفعال المرتكبة، وتحديد الإجراءات والجهات المختصة بتطبيق القانون، بما يضمن عدم استخدام النصوص بصورة انتقائية أو توظيفها لتقييد الآراء المشروعة.

حماية الذاكرة الوطنية وضمان حرية التعبير

أوضحت عربو أن التعامل مع الإساءة إلى رموز الثورة السورية يستدعي مراعاة السياق التاريخي الذي اكتسبت فيه هذه الشخصيات مكانتها، وما ارتبط بها من تضحيات وتجارب إنسانية خلال سنوات الثورة.

وأشارت إلى أن هذه الرموز تحمل دلالات تتجاوز حضورها الشخصي، بالنظر إلى ارتباطها بذاكرة الشهداء والمعتقلين والمهجرين، وما تمثله لدى عائلات الضحايا وأصحاب التضحيات.

وبيّنت أن معالجة هذه المسألة تشريعياً ينبغي أن تراعي حماية كرامة الضحايا ومنع التحريض على الكراهية أو التمييز، مع الحفاظ على الحق في مناقشة الشخصيات والأحداث التاريخية وتقييم مواقفها بصورة موضوعية.

وأكدت أن وضوح النصوص القانونية يشكل ضمانة أساسية لتحقيق هذا التوازن، بحيث تكون الأفعال المجرّمة محددة سلفاً، وتخضع إجراءات المساءلة للضمانات القضائية المعتمدة.

ولفتت إلى أن مسؤولية المشرّع في المرحلة الانتقالية تشمل وضع قواعد تعزز سيادة القانون وتحمي الحقوق والحريات، وتحد من الممارسات التي قد تؤدي إلى تأجيج الانقسامات المجتمعية.

متى يمكن مساءلة مرتكبي الإساءات قانونياً؟

وفيما يتعلق بالمسؤولية القانونية للأشخاص الذين تصدر عنهم إساءات بحق رموز الثورة، أوضحت عربو أن تحريك الإجراءات الجزائية يتوقف على طبيعة الأفعال المرتكبة ومدى انطباق النصوص القانونية النافذة عليها.

وبيّنت أن وجود عبارات أو تصرفات مسيئة لا يكفي وحده لتحديد الوصف الجرمي، إذ يتعين التحقق من مضمونها وسياقها والظروف المحيطة بها، وتحديد ما إذا كانت تتضمن أفعالاً يجرّمها القانون.

وأضافت أن المسؤولية الجزائية تبقى شخصية، ولا يجوز تحميل أشخاص أو مجموعات مسؤولية أفعال لم تثبت مشاركتهم فيها، كما ينبغي الاستناد إلى الأدلة قبل اتخاذ أي إجراءات قانونية.

وأشارت إلى أن المخالفات التي تقع خلال الفعاليات الرياضية قد تستوجب أيضاً إجراءات انضباطية وفق اللوائح والأنظمة المعتمدة لدى الاتحادات الرياضية والجهات المنظمة، بصورة مستقلة عن المساءلة الجزائية عند توافر شروطها.

وأكدت أهمية التمييز بين اختصاص الجهات القضائية في النظر بالجرائم، وصلاحيات المؤسسات الرياضية في معالجة المخالفات السلوكية والتنظيمية داخل الملاعب.

مسؤولية الأندية والاتحادات في ضبط السلوك الجماهيري

أكدت عربو أن الجهات المنظمة للمباريات والأندية والاتحادات الرياضية تتحمل مسؤوليات تتعلق بتطبيق لوائح السلوك والسلامة، والتعامل مع المخالفات التي قد تقع خلال الفعاليات الرياضية.

وأوضحت أن هذه المسؤوليات تشمل وضع قواعد واضحة تمنع الإساءات والتحريض داخل المنشآت الرياضية، وتحديد آليات الإبلاغ عن التجاوزات والتحقق منها، والجزاءات الانضباطية التي يمكن اتخاذها بحق المسؤولين عنها.

وأشارت إلى أن وجود إجراءات معلنة ومحددة يساعد على التعامل مع الحوادث بصورة متسقة، ويحد من القرارات الارتجالية أو ردود الفعل التي قد تتأثر بحجم الجدل الجماهيري.

وشددت على ضرورة أن تستند أي عقوبات انضباطية إلى وقائع مثبتة، وأن تراعي اللوائح المعمول بها وصلاحيات الجهات المختصة، مع ضمان عدم تعميم المسؤولية على جمهور نادٍ كامل بسبب تصرفات أفراد محددين.

وأضافت أن تطوير قواعد السلوك الرياضي يمثل إجراءً وقائياً مهماً، خصوصاً في المناسبات التي تشهد حضوراً جماهيرياً واسعاً أو حساسية اجتماعية مرتبطة بالأحداث والرموز الوطنية.

التحقيق في أحداث صالة الفيحاء وتحديد المسؤوليات

وفيما يتعلق بالإجراءات الواجب اتخاذها بعد الجدل الذي أثارته مباراة الكرامة والوحدة، أوضحت عربو أن متابعة الحوادث من هذا النوع تبدأ بتشكيل لجنة تحقيق من وزارة الرياضة أو الجهة المختصة، وفق الصلاحيات والأنظمة المعمول بها.

وبيّنت أن مهمة اللجنة تتمثل في مراجعة التسجيلات المصورة والتحقق من صحتها وسياقها، والاستماع إلى إفادات المعنيين والشهود، وجمع المعلومات اللازمة لتحديد طبيعة ما جرى والمسؤوليات المحتملة.

وأضافت أن نتائج التحقيق ينبغي أن تشكل الأساس لاتخاذ الإجراءات المناسبة، سواء كانت انضباطية ضمن صلاحيات المؤسسات الرياضية، أو تستدعي إحالة الوقائع إلى الجهات القضائية المختصة عند وجود شبهة بارتكاب أفعال يجرّمها القانون.

وأكدت ضرورة عدم استباق نتائج التحقيق أو التعامل مع التسجيلات المتداولة بوصفها دليلاً حاسماً قبل التحقق منها، خصوصاً في ظل اختلاف الروايات بشأن مضمون الهتافات التي صدرت خلال المباراة.

وأشارت إلى أهمية إعلان نتائج التحقيق والإجراءات المتخذة بالقدر الذي تسمح به القواعد القانونية، بما يعزز الشفافية ويتيح للجمهور الاطلاع على كيفية التعامل مع الحادثة.

دور مجلس الشعب في معالجة الثغرات التشريعية

ترى عربو أن دور مجلس الشعب لا يقتصر على مناقشة ردود الفعل التي تثيرها الحوادث، وإنما يشمل مراجعة التشريعات النافذة وتحديد أوجه النقص التي قد تعيق المساءلة أو تؤدي إلى اختلاف التعامل مع الوقائع المتشابهة.

وأوضحت أن دراسة تشريع خاص بحماية رموز الثورة وكرامة الشهداء ينبغي أن تنطلق من تحديد الأفعال التي تستدعي تدخلاً قانونياً، ووضع معايير دقيقة تضمن وضوح المسؤوليات والإجراءات والجزاءات.

وأكدت أن التشريع المقترح يجب أن يراعي الضمانات القانونية وحقوق الأفراد، وأن يتجنب الصياغات العامة التي قد تسمح بتفسيرات واسعة أو تطبيقات غير متسقة.

كما أشارت إلى أهمية التنسيق بين الجهات التشريعية والمؤسسات الرياضية والجهات المعنية بحقوق الضحايا، بما يساعد على تطوير إطار قانوني وتنظيمي يستجيب لطبيعة التحديات القائمة.

وبيّنت أن وجود قواعد واضحة ومعلنة يمكن أن يسهم في الوقاية من التجاوزات، ويعزز قدرة المؤسسات المختصة على التعامل معها دون انتظار تصاعد الجدل أو تحول الحوادث الفردية إلى خلافات مجتمعية أوسع.

من ردود الفعل إلى آليات مؤسسية للمساءلة والوقاية

أكدت عربو أن معالجة الإساءة إلى رموز الثورة السورية تتطلب الانتقال من الاكتفاء بإدانة الحوادث إلى بناء آليات مؤسسية واضحة للتحقيق والمساءلة والوقاية.

وأوضحت أن هذه الآليات ينبغي أن تجمع بين وضوح النصوص القانونية، وفاعلية الإجراءات التنظيمية داخل المؤسسات الرياضية، وضمان التحقق من الوقائع وتحديد المسؤوليات بصورة فردية وعادلة.

وشددت على أهمية حماية كرامة الشهداء ورموز الثورة، ومراعاة مكانتهم لدى عائلات الضحايا وأصحاب التضحيات، مع الحفاظ على الحقوق والحريات التي ينبغي أن تقوم عليها مؤسسات الدولة.

ويعكس الجدل الذي أعقب مباراة الكرامة والوحدة الحاجة إلى معالجة قانونية وتنظيمية تميز بين النقد المشروع والأفعال التي تستوجب المساءلة، وتضمن عدم استغلال المناسبات الرياضية للتحريض أو إثارة الانقسامات.

وتبقى نتائج التحقيق في أحداث صالة الفيحاء ضرورية لتحديد حقيقة الهتافات المتداولة والمسؤوليات المرتبطة بها، بالتوازي مع النقاش التشريعي حول مدى الحاجة إلى نصوص خاصة تحمي رموز الثورة وكرامة الشهداء، ضمن إطار يحقق العدالة ويحفظ حرية التعبير وسيادة القانون.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ