تلمنس تحاول التعافي من آثار الحرب.. احتياجات صحية وخدمية وخسائر زراعية واسعة
تلمنس تحاول التعافي من آثار الحرب.. احتياجات صحية وخدمية وخسائر زراعية واسعة
● مجتمع ٢٢ أكتوبر ٢٠٢٦

تلمنس تحاول التعافي من آثار الحرب.. احتياجات صحية وخدمية وخسائر زراعية واسعة

تواجه بلدة تلمنس في ريف إدلب الجنوبي تحديات خدمية واقتصادية متزايدة مع عودة الأهالي بعد سنوات من القصف والنزوح، في ظل الأضرار الواسعة التي لحقت بالمنازل والبنية التحتية والأراضي الزراعية، ومحدودية الموارد المتاحة لإعادة الإعمار واستعادة مصادر الرزق، ما يضع العائلات العائدة أمام أعباء معيشية تعيق استقرارها.

وتبرز احتياجات البلدة في قطاعات المياه والكهرباء والصحة والصرف الصحي والسكن، بالتزامن مع تراجع النشاط الزراعي الذي شكل مصدر دخل رئيسياً لكثير من العائلات، بعدما اضطرت أسر إلى بيع أراضيها وممتلكاتها خلال سنوات النزوح لتأمين احتياجاتها الأساسية، فيما استنزفت أسر أخرى ما تبقى من مواردها لترميم منازلها بعد العودة.

ورغم تنفيذ بعض الأعمال الخدمية وتجهيز مرافق تمهيداً لتفعيلها، لا تزال البلدة بحاجة إلى تدخلات أوسع لتحسين الخدمات الأساسية، وإعادة تأهيل البنية التحتية، ودعم الأسر المتضررة، بما يساعد على تثبيت العائدين وتشجيع بقية السكان على العودة.

المياه والكهرباء والاتصالات.. احتياجات أساسية تنتظر المعالجة

قال رئيس مجلس بلدة تلمنس، أسامة عبد الله الإسماعيل، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن البلدة تواجه مجموعة من التحديات الخدمية التي تؤثر بصورة مباشرة في الحياة اليومية للسكان، وفي مقدمتها نقص المياه والكهرباء وضعف خدمات الاتصالات.

وأوضح أن الأهالي يعتمدون حالياً على الآبار السطحية لتأمين احتياجاتهم من المياه، رغم الانتهاء من تجهيز محطة مياه الزعلانة التي تغذي البلدة بصورة مباشرة، مشيراً إلى أن الاستفادة من المحطة تتطلب استكمال أعمال الصيانة للشبكة والخطوط الداخلية.

وبيّن أن معالجة الأعطال في خطوط المياه الداخلية تشكل خطوة أساسية لتحسين وصول المياه إلى المنازل وتخفيف اعتماد الأهالي على المصادر البديلة، خصوصاً في ظل الأعباء المالية التي تتحملها العائلات لتأمين احتياجاتها اليومية.

أما الكهرباء، فأشار الإسماعيل إلى أن السكان يعتمدون بصورة رئيسية على ألواح الطاقة الشمسية، في ظل عدم توافر التغذية الكهربائية بالشكل الذي يلبي احتياجات البلدة.

وأضاف أن فاعلية منظومات الطاقة الشمسية تتراجع مع اقتراب فصل الشتاء، نتيجة انخفاض ساعات سطوع الشمس وتغير الظروف الجوية، ما يزيد من صعوبة تأمين الكهرباء للاستخدامات المنزلية الأساسية.

ولفت إلى أن ضعف خدمات الاتصالات يمثل تحدياً إضافياً للأهالي، ويزيد من الحاجة إلى تحسين البنية التحتية الخدمية بما يتناسب مع عودة السكان واستقرارهم.

تجهيز المركز الطبي وانتظار تفعيله لخدمة السكان

أكد الإسماعيل أن القطاع الصحي يمثل إحدى أبرز الأولويات الخدمية في تلمنس، نظراً إلى الصعوبات التي يواجهها الأهالي في الحصول على الرعاية الطبية داخل البلدة.

وأوضح أن المركز الطبي جرى تجهيزه تمهيداً لتفعيله خلال الفترة القريبة المقبلة، في خطوة يُنتظر أن تسهم في تخفيف الأعباء الصحية والمالية عن السكان.

وأشار إلى أن غياب الخدمات الطبية المحلية الكافية يضطر المرضى إلى التوجه نحو مدينة معرة النعمان أو مدينة إدلب لتلقي العلاج، ما يفرض عليهم تكاليف إضافية للنقل والتنقل قد تتجاوز القدرة المالية لبعض الأسر.

وتزداد صعوبة هذه الظروف في الحالات الإسعافية التي تحتاج إلى تدخل طبي عاجل، مثل حوادث السير والولادات الطارئة وغيرها من الحالات التي تتطلب استجابة سريعة، خصوصاً عندما يتعذر تأمين وسيلة نقل مناسبة أو تحمل تكاليفها.

وبيّن أن تفعيل المركز الطبي وتوفير الكوادر والمستلزمات اللازمة لتشغيله من شأنه تحسين قدرة الأهالي على الحصول على الخدمات الصحية الأساسية داخل البلدة، وتقليل الحاجة إلى الانتقال لمسافات طويلة لتلقي العلاج.

وطالب الجهات المعنية بإعطاء القطاع الصحي أولوية ضمن خطط دعم تلمنس، والعمل على استكمال متطلبات تشغيل المركز بما يلبي الاحتياجات المتزايدة للسكان.

160 عمود إنارة وأعمال مستمرة لصيانة الصرف الصحي

وفيما يتعلق بمشاريع تحسين الخدمات، أوضح رئيس مجلس البلدة أنه جرى تركيب 160 عمود إنارة بدعم من المفوضية، وبتنفيذ من منظمة وطن، ضمن الجهود الرامية إلى تحسين واقع الإنارة العامة في تلمنس.

وأشار إلى استمرار أعمال صيانة خطوط الصرف الصحي، في ظل المشكلات التي تعاني منها الشبكة نتيجة الأضرار التي لحقت ببعض أجزائها خلال السنوات الماضية.

وبيّن أن الشبكة تشهد انسدادات متكررة وأعطالاً ناجمة عن تضرر الخطوط، ما يستدعي تنفيذ أعمال صيانة وإصلاح لمعالجة المشكلات وتحسين تصريف المياه.

ولفت إلى أن عدداً من فتحات الصرف الصحي بقي دون أغطية لمدة خمس سنوات، الأمر الذي يعكس حجم الأضرار والإهمال الذي تعرضت له البنية التحتية خلال سنوات النزوح.

وأضاف أن البلدية تعمل على معالجة الأعطال والمشكلات القائمة وفق الإمكانات المتاحة، مع استمرار الحاجة إلى دعم إضافي لاستكمال أعمال الصيانة وإعادة التأهيل.

وتكتسب هذه الأعمال أهمية خاصة مع عودة الأهالي إلى الأحياء السكنية، إذ يؤثر تضرر شبكة الصرف الصحي في الظروف الصحية والبيئية، ويزيد من الأعباء اليومية التي تواجه السكان.

الخيام والكرفانات والمنازل غير المكتملة.. أزمة سكن مستمرة

أكد الإسماعيل أن تأمين السكن المناسب يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه العائلات العائدة إلى تلمنس، في ظل الدمار الذي طال أعداداً من المنازل وعدم قدرة أصحابها على إعادة تأهيلها.

وأوضح أن بعض الأهالي يقيمون في منازل غير مكتملة البناء، تفتقر إلى الأسقف أو إلى متطلبات السكن الأساسية، فيما لا تزال عائلات أخرى تعيش في الخيام والكرفانات داخل البلدة.

وأشار إلى أن استمرار هذه الظروف يضاعف معاناة الأسر، خصوصاً مع اقتراب فصل الشتاء وما يرافقه من انخفاض درجات الحرارة وهطول الأمطار، في ظل محدودية وسائل التدفئة والحماية من الظروف الجوية.

وتواجه العائلات التي تقيم في مساكن مؤقتة صعوبات في توفير احتياجاتها اليومية، إلى جانب الأعباء المرتبطة بتأمين المياه والكهرباء والخدمات الصحية.

وطالب رئيس مجلس البلدة بتكثيف الجهود لدعم الأسر التي لا تزال تعيش في الخيام والمساكن غير الملائمة، وتوفير حلول تساعدها على الانتقال إلى مساكن آمنة ومناسبة.

وأكد أن تحسين الواقع السكني يشكل جزءاً أساسياً من متطلبات الاستقرار، خصوصاً بالنسبة إلى العائلات التي فقدت منازلها أو لا تمتلك الموارد المالية اللازمة لترميمها.

سنوات القصف والنزوح تترك آثاراً اجتماعية واقتصادية واسعة

من جانبه، قال رئيس اللجنة المجتمعية في بلدة تلمنس، ساري الحريري، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن سنوات القصف والمعارك والنزوح تركت آثاراً عميقة في حياة السكان، وشملت الخسائر البشرية والمادية والاجتماعية والاقتصادية.

وأوضح أن البلدة فقدت عدداً كبيراً من أبنائها خلال سنوات الحرب، ما خلّف عائلات مفجوعة وأرامل وأمهات ثكالى، وألقى بأعباء إضافية على أسر فقدت معيلها أو أحد أفرادها.

وأشار إلى أن الخسائر طالت كذلك المنازل والأراضي الزراعية والممتلكات ومصادر الرزق، ما أدى إلى تراجع القدرة الاقتصادية للسكان وزيادة اعتماد بعض الأسر على المساعدات والموارد المحدودة.

وأضاف أن الأوضاع الاقتصادية بدأت بالتدهور مع اندلاع المعارك، نتيجة توقف الأعمال وتعطل الأنشطة التجارية والزراعية، قبل أن تتفاقم مع موجات النزوح المتكررة التي شهدتها البلدة.

وبيّن أن موجة النزوح الأخيرة استمرت نحو ست سنوات، وشكلت مرحلة قاسية بالنسبة إلى الأهالي، بعدما اضطروا إلى تحمل تكاليف المعيشة والسكن بعيداً عن منازلهم وأراضيهم ومصادر دخلهم المعتادة.

بيع الأراضي والممتلكات لتأمين احتياجات النزوح

أوضح الحريري أن سنوات النزوح الطويلة استنزفت مدخرات كثير من عائلات تلمنس، خصوصاً مع استمرار الحاجة إلى دفع الإيجارات وتأمين الغذاء والدواء ومتطلبات الأطفال.

وأشار إلى أن عدداً من الأسر اضطر إلى بيع أراضيه الزراعية وعقاراته بأسعار زهيدة، بهدف توفير الأموال اللازمة لتغطية النفقات اليومية والاستمرار في إعالة أفراد العائلة.

وأضاف أن هذه المبيعات جاءت في ظروف اقتصادية صعبة، ما أدى إلى خسارة العائلات جزءاً مهماً من ممتلكاتها التي كانت تشكل مصدر أمان مالي ومورداً أساسياً للدخل.

ولفت إلى أن استنزاف المدخرات وفقدان الممتلكات خلال النزوح انعكسا بصورة مباشرة على قدرة الأهالي على العودة، إذ وجد كثير منهم أنفسهم أمام تكاليف جديدة لإصلاح المنازل واستعادة النشاط الاقتصادي، دون امتلاك الموارد اللازمة لذلك.

وتزداد أهمية هذه الخسائر في بلدة يعتمد قسم كبير من سكانها على الزراعة، حيث تمثل ملكية الأراضي والعمل فيها أحد أهم مصادر الدخل والاستقرار المعيشي.

العودة إلى منازل مدمرة تستنزف ما تبقى من الموارد

قال الحريري إن معاناة الأهالي استمرت بعد عودتهم إلى تلمنس، بعدما وجدوا أضراراً واسعة في المنازل والممتلكات والأراضي الزراعية، ما فرض عليهم أعباء مالية جديدة لإعادة تأهيل مساكنهم.

وأوضح أن كثيراً من العائلات اضطرت إلى إنفاق ما تبقى لديها من مدخرات على أعمال الترميم، فيما لجأت أسر أخرى إلى بيع أجزاء إضافية من أراضيها لتوفير تكاليف إصلاح المنازل وتجهيزها للسكن.

وأشار إلى أن هذه الظروف أدت إلى خسارة بعض الأسر مصادر رزقها الأساسية، إذ اضطرت إلى التخلي عن أراضٍ زراعية كانت تعتمد عليها في تأمين دخلها.

وأضاف أن بيع الأراضي لتمويل ترميم المنازل يضع العائلات أمام تحديات اقتصادية طويلة الأمد، لأن استعادة المسكن قد تترافق مع فقدان القدرة على العودة إلى العمل الزراعي الذي كان يوفر احتياجاتها المعيشية.

وبيّن أن هذا الواقع يحد من فرص التعافي الاقتصادي، ويزيد من اعتماد السكان على الأعمال المؤقتة أو الموارد المحدودة، في ظل ضعف فرص العمل والمشاريع الإنتاجية داخل البلدة.

تراجع النشاط الزراعي واتساع رقعة الفقر

أكد رئيس اللجنة المجتمعية أن الزراعة تشكل مورداً اقتصادياً رئيسياً لشريحة واسعة من أهالي تلمنس، إلا أن سنوات الحرب والنزوح تسببت بأضرار كبيرة في الأراضي والممتلكات المرتبطة بهذا القطاع.

وأوضح أن فقدان الأراضي أو بيعها خلال سنوات النزوح وبعد العودة أدى إلى تراجع قدرة عدد من العائلات على استئناف نشاطها الزراعي، ما انعكس على مستويات الدخل والحركة الاقتصادية المحلية.

وأشار إلى أن اتساع رقعة الفقر وارتفاع تكاليف المعيشة يزيدان من صعوبة الأوضاع، خصوصاً بالنسبة إلى الأسر التي فقدت ممتلكاتها أو مصادر رزقها ولا تمتلك دخلاً ثابتاً.

وأضاف أن غياب المشاريع الاقتصادية والتنموية القادرة على توفير فرص العمل ودعم الأنشطة الإنتاجية يحد من قدرة السكان على تجاوز خسائرهم.

كما لفت إلى محدودية المساعدات الإنسانية ومشاريع إعادة الإعمار التي يمكن أن تساعد العائلات على ترميم منازلها واستعادة أعمالها، مقارنة بحجم الاحتياجات القائمة.

وتبرز الحاجة، وفق المعطيات التي عرضها، إلى دعم الأنشطة الزراعية والمشاريع الصغيرة وتوفير فرص عمل تساعد السكان على تحقيق دخل مستقر، وتخفف اعتمادهم على الموارد التي استنزفتها سنوات النزوح.

الأنقاض والمنازل المهدمة تعرقل عودة السكان

أشار الحريري إلى أن آثار الدمار لا تزال ظاهرة في أنحاء متعددة من تلمنس، حيث تنتشر الأنقاض والمباني المتضررة والمنازل المهدمة، في ظل الحاجة إلى أعمال واسعة لإعادة الإعمار وإصلاح البنية التحتية.

وأوضح أن استمرار هذا الواقع يعيق استعادة الحياة الطبيعية، ويؤثر في قدرة العائلات على العودة إلى منازلها أو الاستقرار فيها بصورة كاملة.

وأضاف أن عدداً من السكان يؤجلون العودة بسبب عدم قدرتهم على ترميم مساكنهم، فيما يواجه آخرون صعوبات معيشية بعد العودة نتيجة نقص الخدمات ومحدودية فرص العمل.

وأكد أن غياب مشاريع إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية يطيل أمد معاناة الأهالي، خصوصاً في ظل افتقار كثير من الأسر إلى الموارد المالية اللازمة لإصلاح منازلها واستعادة مصادر رزقها.

وأشار إلى أن معالجة هذه التحديات تحتاج إلى تدخلات تتناسب مع حجم الأضرار، وتشمل دعم الأسر المتضررة وتحسين الخدمات الأساسية وإعادة تأهيل المرافق العامة.

احتياجات متداخلة تتطلب دعماً خدمياً وتنموياً

تعكس إفادات رئيس مجلس بلدة تلمنس أسامة عبد الله الإسماعيل ورئيس اللجنة المجتمعية ساري الحريري حجم التحديات التي تواجه البلدة بعد سنوات النزوح، حيث تتداخل الاحتياجات الخدمية مع الخسائر الاقتصادية والاجتماعية التي لحقت بالسكان.

فعلى الصعيد الخدمي، تبرز الحاجة إلى استكمال صيانة خطوط المياه الداخلية للاستفادة من محطة الزعلانة، وتحسين واقع الكهرباء والاتصالات، وتفعيل المركز الطبي المجهز، واستكمال أعمال إصلاح الصرف الصحي، إلى جانب توفير مساكن مناسبة للعائلات التي لا تزال تقيم في الخيام والكرفانات والمنازل غير المكتملة.

أما اقتصادياً، فتتمثل أبرز التحديات في تراجع النشاط الزراعي وفقدان الممتلكات واستنزاف المدخرات، وغياب المشاريع التي تساعد السكان على استعادة مصادر دخلهم وتوفير فرص عمل مستدامة.

وتزيد الأضرار التي لحقت بالمنازل والبنية التحتية من صعوبة الاستقرار، في وقت لا تزال فيه عائلات عاجزة عن العودة بسبب عدم قدرتها على تحمل تكاليف الترميم وتأمين الاحتياجات الأساسية.

وتبقى قدرة تلمنس على استعادة استقرارها مرتبطة باستكمال مشاريع الخدمات وإعادة الإعمار، وتوفير الدعم للأسر المتضررة، وتنشيط القطاعات الإنتاجية، ولا سيما الزراعة، بما يساعد الأهالي على تجاوز آثار النزوح واستعادة حياتهم الاقتصادية والاجتماعية.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ