تلبيسة بين عودة الأهالي وإعادة الإعمار.. أضرار واسعة واحتياجات خدمية متزايدة
تواجه العائلات العائدة إلى مدينة تلبيسة في ريف حمص الشمالي تحديات معيشية وخدمية تعيق استقرارها، في ظل الأضرار الواسعة التي لحقت بالمنازل والمدارس والبنية التحتية خلال سنوات الحرب، بالتزامن مع ضعف فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة ومحدودية الإمكانات المتاحة لإعادة تأهيل المرافق العامة.
ورغم عودة آلاف العائلات إلى المدينة منذ سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول 2024، لا تزال ظروف السكن والعمل والخدمات الأساسية من أبرز العوامل التي تحد من قدرة السكان على استعادة حياتهم الطبيعية، فيما تتواصل المطالب بإصلاح الطرق والمدارس والمرافق الصحية وتحسين النظافة العامة والصرف الصحي.
وتتداخل احتياجات إعادة الإعمار مع الأعباء الاقتصادية التي تواجه الأسر، إذ اضطرت عائلات إلى الاكتفاء بإصلاحات محدودة في منازلها المتضررة، بينما تعجز عائلات أخرى عن العودة بسبب الدمار أو عدم توافر مصادر دخل تساعدها على تأمين احتياجاتها الأساسية.
عودة 10 آلاف عائلة من أصل 25 ألفاً مهجّرة
قال رئيس مجلس مدينة تلبيسة، إسماعيل الضيخ، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن عدد العائلات المهجّرة من المدينة إلى دول الجوار ومناطق أخرى من العالم يُقدّر بنحو 25 ألف عائلة، عاد منها قرابة 10 آلاف عائلة منذ 8 كانون الأول 2024.
وأوضح أن معظم العائلات العائدة أجرت إصلاحات بسيطة على منازلها لتصبح صالحة للسكن، في ظل ارتفاع تكاليف الترميم وصعوبة تأمين الموارد اللازمة لإعادة البناء.
وأشار إلى أن استمرار نزوح بقية العائلات يرتبط بعدة عوامل، أبرزها الدمار الذي طال المنازل، وضعف الخدمات العامة، وعدم توافر فرص العمل المناسبة لبعض أصحاب المهن، ما يجعل قرار العودة مرتبطاً بالقدرة على تأمين السكن ومصدر دخل مستقر.
وبيّن الضيخ أن المدينة تعاني من مشكلات في النظافة العامة والطرق، إلى جانب ضعف التيار الكهربائي نتيجة تلف أجزاء من الشبكة القديمة وتهالك المحولات، فيما وصف واقع خدمات المياه والكهرباء والصرف الصحي عموماً بأنه جيد، رغم الحاجة إلى أعمال صيانة وتوسعة في عدد من الأحياء.
أضرار تطال 75% من البنية التحتية
قدّر رئيس مجلس المدينة نسبة الدمار في البنية التحتية بنحو 75%، مشيراً إلى أن الأضرار شملت المركز الثقافي وسبع مدارس للحلقة الأولى تعرضت لتدمير كلي أو جزئي، إلى جانب الطرق والمرافق العامة.
وأوضح أن قطاع النظافة يمثل إحدى الأولويات الخدمية العاجلة، نتيجة نقص العمال والآليات اللازمة لجمع النفايات وترحيلها، ما يؤدي إلى تراكمها في بعض الشوارع والأحياء.
كما تعاني الطرق الداخلية من انتشار الحفر والمطبات، الأمر الذي ينعكس على حركة المركبات وسلامة المارة، ويزيد الحاجة إلى مشاريع صيانة وإعادة تأهيل.
وفي قطاع الصرف الصحي، أشار الضيخ إلى ضرورة تنفيذ مشاريع في الحي الغربي، واستكمال الشبكة في الحي الشمالي وأجزاء من الحي الجنوبي، إلى جانب توسيع شبكة مياه الشرب لتلبية الاحتياجات المتزايدة للسكان.
وأكد أن أولويات العمل تشمل صيانة المدارس القائمة وبناء مدارس جديدة، وإصلاح الطرق، وتأهيل شبكات الصرف الصحي والمياه، وتحسين قدرة المؤسسات المحلية على تقديم الخدمات.
وشدد على أهمية فصل الطريق الدولي عن المدينة، بهدف الحد من الحوادث المرورية وتقليل الخسائر البشرية والمادية، وتحسين مستوى السلامة للسكان.
سنوات النزوح تركت آثاراً اقتصادية عميقة
قال الناشط من أهالي تلبيسة، ياسر أتوزبير، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن سنوات القصف والحصار التي شهدها ريف حمص الشمالي تركت آثاراً اقتصادية واجتماعية واسعة، انعكست بصورة خاصة على الأسر محدودة الدخل.
وأوضح أن شح الموارد وضعف فرص العمل وارتفاع الأسعار أسهمت في تراجع القدرة الشرائية واتساع دائرة الفقر، مشيراً إلى أن الطبقة المتوسطة التي كانت تشكل شريحة واسعة من المجتمع المحلي تعرضت لتراجع كبير خلال سنوات الحرب والنزوح.
وأضاف أن العائلات المهجّرة واجهت خلال نزوحها أعباء إضافية، تمثلت في تأمين السكن والغذاء والعمل، الأمر الذي استنزف مواردها المالية وأضعف قدرتها على مواجهة تكاليف العودة وإعادة الاستقرار.
ولفت إلى أن هذه الصعوبات لا تزال مستمرة، في ظل ارتفاع أسعار السلع والطاقة ومحدودية فرص العمل، إلى جانب ضعف نشاط المنظمات الداعمة للمشاريع الصغيرة التي يمكن أن تسهم في تنشيط الاقتصاد المحلي وتوفير مصادر دخل للأسر.
العودة إلى المدينة دون مصادر دخل
أوضح أتوزبير أن عدداً من العائلات العائدة فقد مصادر المعيشة التي تمكن من تأمينها خلال سنوات النزوح، ليجد نفسه أمام تحدي البحث عن فرص عمل جديدة في المدينة.
وأشار إلى أن بعض فرص العمل متاحة لفئة الشباب، لكنها تصبح أكثر محدودية بالنسبة إلى أرباب الأسر والمتقدمين في العمر، ولا سيما الموظفين السابقين الذين انشقوا عن وظائفهم أو فصلهم نظام الأسد منها، ولم تتم إعادتهم إلى العمل بعد التحرير.
وبيّن أن هذه الفئات تواجه صعوبات كبيرة في تأمين احتياجات أسرها، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وعدم وجود دخل ثابت، ما يزيد اعتماد بعض العائلات على الأعمال المؤقتة أو الموارد المحدودة.
واعتبر أن توفير فرص العمل وتنشيط المشاريع الصغيرة يمثلان من أبرز الاحتياجات الاقتصادية للمدينة، إلى جانب إعادة تأهيل المرافق الخدمية، بما يتيح للعائلات العائدة بناء مصادر دخل تساعدها على الاستقرار.
أزمة سكن مع عودة الأسر الممتدة
تواجه تلبيسة أزمة سكن متزايدة نتيجة الأضرار التي لحقت بالمنازل، بالتزامن مع عودة عائلات توسعت خلال سنوات النزوح وأصبحت بحاجة إلى مساكن إضافية.
وأوضح أتوزبير أن بعض المنازل التي كانت تؤوي أسرة واحدة قبل التهجير أصبحت مطالبة باستيعاب أسرتين أو ثلاث أسر بعد العودة، نتيجة زواج الأبناء وتشكيل عائلات جديدة خلال سنوات النزوح.
وأشار إلى أن قسماً من العائدين تمكن من ترميم منازله بالاعتماد على إمكاناته الخاصة، في حين لم يستطع عدد كبير من الأهالي إصلاح المنازل المتضررة، بسبب ارتفاع تكاليف البناء والترميم وضعف الموارد المالية.
وتؤدي هذه الظروف إلى زيادة الضغط على المساكن المتاحة، وتحد من قدرة بعض العائلات على العودة أو الاستقرار بصورة مستقلة، خصوصاً في ظل محدودية فرص العمل وارتفاع الأعباء المعيشية.
مدارس متضررة ومرافق صحية متوقفة
تمتد التحديات الخدمية في تلبيسة إلى قطاعات التعليم والصحة والمرافق العامة، التي لا يزال عدد منها بحاجة إلى إعادة تأهيل وتجهيز لاستئناف العمل.
وقال أتوزبير إن معظم المرافق المتضررة لم تستعد نشاطها بصورة كاملة، بسبب نقص المعدات والكوادر اللازمة، مشيراً إلى توقف خدمات في دار التوليد والعيادات العامة والمركز الثقافي.
وفي قطاع التعليم، أوضح أن الأهالي نفذوا خلال العام الماضي حملة شعبية لترميم عدد من المدارس وفق الإمكانات المتاحة، إلا أن حجم الدمار الذي أصاب بعض الأبنية التعليمية حال دون إعادة جميع المدارس إلى الخدمة.
وأضاف أن نقص المدارس أدى إلى ازدحام الطلاب داخل الأبنية المتاحة، ما يزيد الحاجة إلى إعادة بناء المدارس المدمرة وتأهيل المرافق التعليمية القائمة.
وأكد أن الأهالي يطالبون بإعادة تشغيل المستوصفات والمرافق الصحية، وترميم المدارس، وتزويد المؤسسات الحكومية بالآليات والمعدات والكوادر البشرية اللازمة لتحسين الخدمات العامة.
وتشمل المطالب أيضاً تعزيز أعمال النظافة وإصلاح الطرق وشبكات البنية التحتية، بما يخفف الأعباء اليومية عن السكان ويساعد على استيعاب المزيد من العائلات العائدة.
تحديات العودة بين الاحتياجات والآمال
رغم الصعوبات الاقتصادية والخدمية، أكد أتوزبير أن الأهالي ينظرون بأمل إلى مستقبل المدينة وسوريا عموماً، إلا أن محدودية فرص العمل وصعوبة تأمين المساكن لا تزالان تؤثران في قدرة بعض العائلات على اتخاذ قرار العودة.
وأوضح أن المشكلة الأساسية تتمثل في توفير مقومات الاستقرار، ولا سيما السكن المناسب والدخل الكافي والخدمات التي تحتاجها الأسر في حياتها اليومية.
وتظهر المعطيات التي قدمها مجلس المدينة وشهادات الأهالي أن عودة السكان إلى تلبيسة تتقدم بوتيرة ترتبط بقدرة العائلات على إصلاح منازلها وتأمين معيشتها، في وقت تحتاج فيه المدينة إلى تدخلات خدمية ومشاريع إعادة تأهيل تستجيب لحجم الأضرار والاحتياجات القائمة.
وتبقى استدامة العودة مرتبطة بتحسين واقع التعليم والصحة والبنية التحتية، وتوفير فرص العمل ودعم النشاط الاقتصادي المحلي، بما يتيح للعائلات العائدة استعادة استقرارها، ويشجع بقية المهجّرين على العودة إلى منازلهم ومدينتهم.