تعذيب الأطفال داخل الأسرة.. أخصائي نفسي يوضح الدوافع وآثار الصدمات وسبل التعافي
يمثل العنف والتعذيب الذي يتعرض له بعض الأطفال داخل أسرهم أحد أخطر أشكال الإساءة، لما يتركه من آثار جسدية ونفسية قد تستمر سنوات طويلة، خصوصاً عندما يصدر الأذى عن أشخاص يفترض أن يوفروا للطفل الرعاية والحماية، ما يهدد شعوره بالأمان ويؤثر في نموه النفسي والاجتماعي وقدرته على بناء علاقات قائمة على الثقة.
وتتداخل وراء هذه الممارسات عوامل نفسية وتربوية واجتماعية، تشمل الرغبة في السيطرة، وضعف التعاطف، والتعرض السابق للعنف، والصراعات الأسرية، إلى جانب الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي قد تزيد احتمالات السلوك العدواني لدى بعض الأشخاص، دون أن تشكل مبرراً لإيذاء الأطفال أو إعفاء المعتدين من المسؤولية.
وفي هذا السياق، يوضح الأخصائي النفسي السريري بيرم جمعة، في حديث خاص لشبكة شام الإخبارية، أبرز الدوافع النفسية المرتبطة بتعذيب الأطفال داخل الأسرة، وتأثير الغيرة والصراعات الزوجية والتنشئة القاسية في ظهور السلوك العنيف، إلى جانب الآثار النفسية التي قد تصيب الأطفال وسبل حمايتهم ومساعدتهم على التعافي.
اضطرابات الشخصية والرغبة في السيطرة
قال الأخصائي النفسي السريري بيرم جمعة إن العنف والتعذيب ضد الأطفال داخل البيئة الأسرية قد يرتبطان بتداخل عوامل نفسية معقدة، من بينها بعض السمات الشخصية التي تترافق مع ضعف التعاطف وتراجع الشعور بالذنب تجاه معاناة الآخرين.
وأوضح أن بعض المعتدين قد تظهر لديهم سمات مرتبطة بالشخصية المعادية للمجتمع أو النزعات السادية، ما قد ينعكس على طريقة تعاملهم مع الأطفال واستجابتهم لآلامهم واحتياجاتهم.
وأشار إلى أن بعض الأشخاص يلجؤون إلى توجيه مشاعر الغضب والإحباط نحو الطفل، خصوصاً عندما يواجهون ضغوطاً معيشية أو مشكلات اقتصادية أو خلافات زوجية، فيصبح الطفل هدفاً لتفريغ الانفعالات بسبب محدودية قدرته على الدفاع عن نفسه.
وأضاف أن الرغبة في السيطرة قد تشكل دافعاً آخر، إذ يحاول بعض الأفراد تعويض شعورهم بالعجز أو فقدان السيطرة في حياتهم الخارجية من خلال فرض سلطة مطلقة داخل المنزل، مستخدمين التهديد والعنف لإخضاع أفراد الأسرة.
وبيّن أن هذه السلوكيات قد تتفاقم عندما يغيب التعاطف مع الطفل أو يُنظر إليه باعتباره عبئاً، ما يزيد احتمالات تعرضه للإهمال أو الإساءة.
وأكد جمعة أن الضغوط المعيشية والظروف القاسية التي شهدها المجتمع السوري قد تسهم في زيادة التوتر داخل بعض الأسر، لكنها لا تبرر ممارسة العنف، كما أن التعرض لهذه الظروف لا يعني بالضرورة تحول الشخص إلى معتدٍ.
الغيرة والانتقام في بعض العلاقات الأسرية
أوضح جمعة أن الغيرة والصراعات العاطفية بين البالغين قد تؤدي دوراً في بعض حالات تعنيف الأطفال، خصوصاً عندما يرتبط الطفل بعلاقة زوجية سابقة أو يصبح طرفاً غير مباشر في خلافات أسرية.
وأشار إلى أن بعض حالات العنف قد تنشأ عن توجيه مشاعر العداء تجاه أحد الوالدين إلى الطفل، فيما وصفه بالعنف بالإنابة أو الإسقاط الانتقامي، حيث يتحمل الطفل آثار صراع لا علاقة له به.
وبيّن أنه في بعض حالات الانفصال أو الزواج الثاني، قد ينظر زوج الأم أو زوجة الأب إلى الطفل بوصفه امتداداً للشريك السابق، فتنعكس عليه مشاعر الغيرة أو الغضب المرتبطة بالعلاقة السابقة.
وأضاف أن الغيرة من الاهتمام الذي يمنحه أحد الوالدين لطفله قد تدفع بعض الأشخاص إلى محاولة إبعاده أو التقليل من مكانته داخل الأسرة، من خلال التمييز في المعاملة أو الإهمال أو الإساءة النفسية.
وقد تتدرج هذه السلوكيات، بحسب جمعة، من التهميش والحرمان العاطفي إلى الإهانات والتهديدات، وصولاً في الحالات الشديدة إلى الاعتداء الجسدي أو الحرمان من الاحتياجات الأساسية، بما فيها الطعام والرعاية والأمان.
وتبقى هذه الدوافع مرتبطة بحالات وظروف محددة، ولا يمكن تعميمها على زوجات الآباء أو أزواج الأمهات، إذ تتحدد مخاطر الإساءة بطبيعة السلوك والعلاقات الأسرية والعوامل النفسية والاجتماعية المحيطة بها.
كيف ينتقل العنف من جيل إلى آخر؟
أشار الأخصائي النفسي إلى أن التنشئة الأسرية تؤدي دوراً مهماً في تشكيل أنماط التعامل مع الأطفال، خصوصاً عندما ينشأ الفرد في بيئة تستخدم العنف وسيلة للتربية أو حل الخلافات وفرض السلطة.
وأوضح أن بعض الأشخاص الذين يمارسون العنف في مرحلة البلوغ قد يكونون تعرضوا للإساءة أو الإهمال خلال طفولتهم، ما يؤثر في تصورهم للعلاقات الأسرية وأساليب التعامل مع الآخرين.
وبيّن أن ما يعرف بالتعلم بالنمذجة يساعد على تفسير انتقال بعض السلوكيات بين الأجيال، إذ قد يتعلم الطفل من خلال مشاهدة العنف المتكرر أن القسوة وسيلة مقبولة لفرض الاحترام أو معالجة المشكلات.
وأضاف أن استمرار هذه الأنماط دون مراجعة أو تدخل نفسي وتربوي قد يسهم في إعادة إنتاجها داخل الأسرة عندما يصبح الطفل بالغاً ويتولى مسؤولية رعاية أطفال آخرين.
وشدد على أن التعرض للعنف خلال الطفولة لا يؤدي بالضرورة إلى ممارسة العنف مستقبلاً، وأن التجارب السابقة لا تعفي الشخص من مسؤوليته عن سلوكه تجاه الأطفال.
وأكد أهمية التدخل العلاجي والتربوي لمساعدة الأشخاص الذين تعرضوا للإساءة على معالجة آثار تجاربهم، وتطوير أساليب صحية للتعامل مع الغضب والخلافات والضغوط.
التربية القاسية وتطبيع إيذاء الأطفال
لفت جمعة إلى أن بعض المعتقدات التربوية والاجتماعية قد تسهم في تطبيع العنف عندما يُقدَّم بوصفه وسيلة للتأديب أو فرض الانضباط، أو عندما ترتبط القسوة بمفاهيم القوة والهيبة داخل الأسرة.
وأوضح أن استخدام عبارات تبرر الضرب والإهانة باعتبارهما جزءاً من التربية قد يؤدي إلى التقليل من خطورة الإساءة، ويجعل بعض الممارسات المؤذية مقبولة لدى من يتبنون هذه التصورات.
وأشار إلى أن هذه المعتقدات قد تمنع بعض الأسر من إدراك الآثار النفسية والجسدية للعنف، أو تدفعها إلى التعامل مع الاعتداءات باعتبارها شأناً عائلياً لا يستدعي التدخل.
وأضاف أن الفقر الشديد والنزوح والتفكك الأسري والتعرض للحروب قد تزيد الضغوط النفسية والاجتماعية، وقد تتداخل لدى بعض الأفراد مع صعوبات في تنظيم الانفعالات أو أعراض نفسية مرتبطة بالصدمات.
وأوضح أن هذه الظروف قد تؤثر في قدرة بعض الأشخاص على التعامل مع الضغوط، مع ضرورة التمييز بين وجود مشكلات نفسية وبين ممارسة العنف، إذ لا يمكن اعتبار الاضطرابات النفسية سبباً مباشراً أو حتمياً للاعتداء على الأطفال.
وأكد أن فهم العوامل التي تسهم في نشوء السلوك العنيف يساعد على الوقاية والتدخل المبكر، مع بقاء المعتدي مسؤولاً عن أفعاله وما يترتب عليها من أضرار.
حين يفقد الطفل شعوره بالأمان داخل المنزل
أوضح جمعة أن تعرض الطفل للعنف المتكرر داخل الأسرة قد يترك آثاراً عميقة في نموه النفسي والعاطفي، خصوصاً عندما يكون مصدر الأذى أحد الأشخاص المسؤولين عن رعايته.
وأشار إلى أن الطفل يحتاج خلال مراحل نموه إلى علاقات مستقرة توفر له الأمان والحماية، وأن تعرضه للإساءة من الشخص الذي يعتمد عليه قد يؤدي إلى اضطراب شعوره بالثقة والأمان.
وبيّن أن هذه التجارب قد تسهم في ظهور صعوبات في التعلق العاطفي، حيث يصبح الطفل متردداً في الثقة بالآخرين أو يشعر بالخوف من الأشخاص الذين يفترض أن يوفروا له الرعاية.
وأضاف أن استمرار التهديد داخل المنزل قد يجعل الطفل في حالة ترقب دائم للخطر، ما يؤثر في استقراره النفسي وقدرته على الشعور بالراحة حتى في المواقف التي لا تتضمن تهديداً مباشراً.
وقد ينعكس ذلك على علاقاته الاجتماعية وسلوكه اليومي، إذ يصبح أكثر حساسية تجاه الأصوات المرتفعة أو التصرفات المفاجئة، أو يتجنب التفاعل مع بعض الأشخاص خوفاً من التعرض للأذى.
الصدمة النفسية وآثار التعذيب طويلة الأمد
قال الأخصائي النفسي إن التعذيب المتكرر قد يؤدي إلى ظهور أعراض نفسية مرتبطة بالصدمات، وقد تتطور لدى بعض الأطفال إلى اضطرابات أكثر تعقيداً تؤثر في جوانب متعددة من حياتهم.
وأوضح أن هذه الأعراض قد تشمل القلق المستمر ونوبات الهلع والكوابيس واضطرابات النوم، إلى جانب الاستثارة العصبية المفرطة والشعور الدائم بالخوف.
وأشار إلى أن بعض الأطفال قد تظهر لديهم أعراض انفصالية، مثل الشعور بالانفصال عن الواقع أو الخدر العاطفي، بوصفها استجابات نفسية محتملة للتجارب المؤلمة.
وأضاف أن التعرض المستمر للإهانة أو العقاب قد يؤثر في صورة الطفل عن نفسه، فيبدأ بالاعتقاد أنه شخص سيئ أو يستحق الأذى، ما يضعف تقديره لذاته وثقته بالآخرين.
كما قد يواجه الطفل صعوبة في بناء علاقات اجتماعية صحية، نتيجة توقعه التعرض للخيانة أو الإساءة، حتى عندما يتعامل مع أشخاص لا يشكلون خطراً عليه.
وبيّن أن الخوف المزمن والضغط النفسي المستمر قد يؤثران أيضاً في التركيز والتعلم والذاكرة وتنظيم الانفعالات، ما ينعكس على الأداء المدرسي والقدرة على اكتساب المهارات المناسبة للعمر.
وأكد أن طبيعة هذه الآثار وشدتها تختلف بحسب عمر الطفل ومدة تعرضه للإساءة وطبيعتها، ومستوى الدعم والحماية المتاحين له.
علامات قد تكشف تعرض الطفل للإساءة
أوضح جمعة أن اكتشاف آثار العنف في مراحل مبكرة يساعد على توفير الحماية والتدخل النفسي المناسب، مشيراً إلى وجود مجموعة من العلامات السلوكية والنفسية التي تستدعي الانتباه.
ومن أبرز هذه العلامات حدوث تراجع مفاجئ في بعض المهارات أو السلوكيات المكتسبة، مثل التبول اللاإرادي أو ظهور التلعثم أو صعوبات الكلام بعد أن كان الطفل قادراً على التعبير بصورة طبيعية.
كما قد تظهر على الطفل علامات الانعزال الشديد، أو الخوف المفرط من الأشخاص البالغين أو من اللمس، إضافة إلى تجنب مواقف وأماكن معينة ترتبط لديه بتجارب مؤلمة.
وأشار إلى أن التغيرات الحادة في النوم والشهية، ونوبات الغضب الشديدة، وفقدان الاهتمام بالأنشطة المعتادة، قد تكون مؤشرات على معاناة نفسية تستوجب التقييم.
وأضاف أن سلوكيات إيذاء الذات تمثل علامات تستدعي اهتماماً عاجلاً وتدخلاً متخصصاً لحماية الطفل وتقييم حالته.
وشدد على أن هذه الأعراض قد ترتبط بأسباب نفسية أو صحية متعددة، ولا تكفي منفردة لإثبات تعرض الطفل للتعذيب، ما يستدعي تقييماً مهنياً يراعي مجمل المؤشرات والظروف المحيطة به.
الحماية أولاً قبل بدء العلاج النفسي
أكد الأخصائي النفسي السريري أن التعامل مع الأطفال الذين تعرضوا للتعذيب يبدأ بإبعادهم عن مصدر الخطر وتوفير بيئة آمنة ومستقرة، تضمن حمايتهم من تكرار الإساءة.
وأوضح أن استمرار تعرض الطفل للتهديد أو الاعتداء يعيق عملية التعافي النفسي، ما يجعل تأمين الحماية والرعاية المناسبة أولوية أساسية قبل البدء بالتدخلات العلاجية.
وأشار إلى أهمية توفير محيط يشعر فيه الطفل بالقبول والاحتواء، بعيداً عن العقاب والتهديد والإهانة، مع مراعاة احتياجاته النفسية والاجتماعية والصحية.
وأضاف أن بعض الحالات قد تحتاج إلى رعاية بديلة آمنة عندما يتعذر توفير الحماية داخل الأسرة، على أن تراعي هذه الرعاية مصلحة الطفل واحتياجاته العاطفية والنمائية.
وأكد أن استعادة الشعور بالأمان تتطلب وقتاً واستقراراً في العلاقات اليومية، خصوصاً لدى الأطفال الذين تعرضوا لإساءة متكررة من أشخاص مقربين.
العلاج باللعب والتدخلات الموجهة للصدمات
أوضح جمعة أن علاج الأطفال المتضررين من العنف يحتاج إلى خطة نفسية متكاملة تتناسب مع أعمارهم وطبيعة التجارب التي تعرضوا لها وشدة الأعراض التي يعانون منها.
وأشار إلى أن العلاج باللعب والتعبير الفني من الوسائل التي قد تساعد الأطفال على التعبير عن مشاعرهم وتجاربهم المؤلمة، خصوصاً عندما تكون قدرتهم على وصف ما حدث محدودة بسبب العمر أو شدة الصدمة.
وبيّن أن هذه الأساليب تتيح للطفل التعبير عن الخوف والغضب والحزن بطرق تتناسب مع مرحلته النمائية، ضمن بيئة علاجية آمنة يشرف عليها مختصون.
كما أشار إلى إمكانية استخدام العلاج المعرفي السلوكي الموجه للصدمات، لمساعدة الطفل على التعامل مع الذكريات المؤلمة، ومعالجة الأفكار السلبية التي قد يكون كوّنها عن نفسه أو عن الآخرين.
وأضاف أن التدخل العلاجي قد يشمل العمل مع مقدمي الرعاية الآمنين، بهدف تعزيز استجاباتهم لاحتياجات الطفل ومساعدتهم على توفير بيئة داعمة لعملية التعافي.
وأكد أن العلاج النفسي يحتاج إلى الاستمرارية والمتابعة، وأن سرعة التحسن تختلف بين الأطفال بحسب طبيعة الصدمة ومدتها ومستوى الأمان والدعم المتاح.
التعافي من العنف ومسؤولية الأسرة والمجتمع
شدد جمعة على أن استعادة الطفل المتضرر من التعذيب لشعوره بالأمان والثقة قد تتطلب مساراً علاجياً طويل الأمد، يقوم على الصبر والرعاية المستقرة والتعامل المتفهم مع آثار التجارب المؤلمة.
وأوضح أن دور الأسرة أو مقدمي الرعاية الآمنين يمثل جزءاً أساسياً من عملية التعافي، من خلال توفير علاقات مستقرة والاستجابة لاحتياجات الطفل دون تهديد أو إهانة أو لوم.
وأشار إلى أن الأطفال الذين عايشوا العنف والحروب والنزوح قد يحتاجون إلى دعم نفسي واجتماعي يراعي تراكم التجارب الصعبة، ويساعدهم على استعادة قدرتهم على التعلم والتواصل وبناء العلاقات.
وتبرز في هذا السياق أهمية دور المؤسسات التعليمية والاجتماعية والصحية في اكتشاف مؤشرات الإساءة، وتوفير آليات آمنة للإبلاغ والتدخل، وضمان وصول الأطفال المتضررين إلى الرعاية المناسبة.
كما تتطلب الوقاية من العنف تعزيز الوعي بأساليب التربية غير العنيفة، ومساعدة الأسر على التعامل مع الضغوط والصراعات بطرق تحافظ على سلامة الأطفال وحقوقهم.
وتؤكد المعطيات التي عرضها الأخصائي النفسي بيرم جمعة أن حماية الأطفال من التعذيب تستدعي التعامل مع الأسباب النفسية والاجتماعية للسلوك العنيف، بالتوازي مع توفير الحماية القانونية والرعاية النفسية للضحايا.
ويبقى التدخل المبكر وإيقاف الإساءة وتوفير بيئة آمنة ومستقرة من أهم العوامل التي تساعد الأطفال على تجاوز آثار التجارب المؤلمة، واستعادة الثقة بأنفسهم وبالآخرين، ومواصلة نموهم النفسي والاجتماعي بصورة صحية.