بين ضغوط الحياة والتواصل الرقمي.. أخصائية نفسية تفسر أسباب عزلة الشباب
رغم تعدد وسائل التواصل وسهولة بناء العلاقات عبر المنصات الرقمية، يعاني بعض الشباب شعوراً بالوحدة والعزلة، حتى مع وجود الأصدقاء وكثرة المتابعين، في ظاهرة ترتبط بطبيعة العلاقات الإنسانية ومدى قدرتها على توفير الدعم النفسي والشعور بالأمان والانتماء.
وتتداخل في هذه الحالة عوامل نفسية واجتماعية واقتصادية، من بينها ضعف التواصل المباشر، والمقارنات المستمرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وصعوبة الحصول على فرص العمل وتحقيق الاستقلال المادي، ما يطرح تساؤلات حول أسباب الشعور بالوحدة وسبل بناء علاقات أكثر استقراراً وعمقاً.
التواصل الرقمي وتأثيره على العلاقات الإنسانية
قالت الأخصائية النفسية هيفين هوري، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن شعور بعض الشباب بالعزلة رغم سهولة التواصل يرتبط بالتغيرات التي طرأت على طبيعة العلاقات الإنسانية، إذ يفتقر التواصل الرقمي السريع إلى بعض عناصر التفاعل المباشر، مثل نبرة الصوت وتعابير الوجه، التي تسهم في تعزيز الشعور بالأمان والاحتواء.
وأوضحت أن الاعتماد المتزايد على التواصل الافتراضي قد يقلل فرص بناء روابط إنسانية عميقة، خصوصاً عندما تصبح العلاقات قائمة على التفاعل السريع وتبادل الرسائل، دون وجود مساحة كافية للحوار والتعبير عن المشاعر.
وأضافت أن المقارنات المستمرة مع الصور المثالية التي تعرضها المنصات الرقمية قد تولد لدى بعض الشباب مشاعر الإحباط وعدم الرضا عن الذات، وتدفعهم تدريجياً إلى الانسحاب من العلاقات الاجتماعية.
وأشارت إلى أن تراجع مظاهر التكافل الاجتماعي وزيادة الاعتماد على الذات قد يجعلان بعض الشباب أكثر ميلاً إلى مواجهة مشكلاتهم بصورة منفردة، بدلاً من مشاركتها مع أشخاص قادرين على تقديم الدعم والمساندة.
كثرة المتابعين لا تعني وجود علاقات حقيقية
لفتت هوري إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت في تغيير معايير العلاقات لدى بعض الشباب، إذ أصبح الاهتمام أحياناً موجهاً نحو أعداد المتابعين وحجم التفاعل والإعجابات، على حساب جودة العلاقات وما توفره من ثقة ومساندة.
وبيّنت أن القبول الرقمي قد يمنح شعوراً مؤقتاً بالرضا والتقدير، لكنه لا يعوض الحاجة إلى علاقات إنسانية مستقرة تقوم على التواصل المتبادل والتفاهم والمشاركة في المواقف الحياتية.
وأكدت أن الشعور بالوحدة لا يرتبط بالضرورة بعدد الأصدقاء أو الأشخاص المحيطين بالشاب، وإنما بمدى شعوره بأن هناك من يفهمه ويستمع إليه ويتقبل مشاعره.
وأوضحت أن بعض الشباب قد يكونون محاطين بعدد كبير من الأشخاص، لكنهم يفتقرون إلى مساحة آمنة للتعبير عن مخاوفهم ومشكلاتهم، ما يجعلهم يشعرون بالعزلة رغم حضورهم الاجتماعي.
وأضافت أن محاولة الظهور بصورة مثالية أو مقبولة أمام الآخرين قد تزيد هذا الشعور، خصوصاً عندما يعتقد الشاب أن علاقاته قائمة على الصورة التي يقدمها عن نفسه، وليس على شخصيته الحقيقية.
الضغوط الاقتصادية تعمق الشعور بالعزلة
أشارت الأخصائية النفسية إلى أن الظروف الاقتصادية وصعوبة الحصول على فرص العمل وتحقيق الاستقلال المادي تؤثر في الحياة النفسية والاجتماعية للشباب، وقد تحد من قدرتهم على بناء علاقات مستقرة أو الحفاظ عليها.
وأوضحت أن الشعور بالعجز عن تحقيق الأهداف الشخصية والمهنية قد يدفع بعض الشباب إلى الابتعاد عن المناسبات الاجتماعية، تجنباً للمقارنات أو الأسئلة المتعلقة بالعمل والدخل والمستقبل.
كما أن الانشغال المستمر بالتحديات المعيشية والتفكير بالمستقبل قد يستنزف الطاقة النفسية، ويقلل الرغبة في المشاركة بالأنشطة الاجتماعية أو تكوين صداقات جديدة.
ولفتت إلى أن الضغوط الاقتصادية تتداخل مع التوقعات الاجتماعية المرتبطة بالنجاح والاستقلال، ما قد يزيد شعور بعض الشباب بعدم القدرة على مواكبة أقرانهم.
متى تتحول العزلة إلى مشكلة نفسية؟
يميز المختصون النفسيون بين الرغبة المؤقتة في الابتعاد عن الآخرين للحصول على الراحة واستعادة التوازن، وبين الانسحاب الاجتماعي المستمر الذي يؤثر في العلاقات والمسؤوليات والحياة اليومية.
وقد تستدعي بعض التغيرات السلوكية الانتباه، مثل فقدان الاهتمام بالأنشطة المعتادة، أو تراجع المشاركة الاجتماعية بصورة ملحوظة، أو صعوبة أداء المسؤوليات اليومية، خصوصاً عندما تستمر هذه التغيرات وتؤثر في حياة الشاب.
ولا يعني الشعور بالوحدة بحد ذاته وجود اضطراب نفسي، إلا أن استمراره وترافقه مع معاناة واضحة قد يستدعي الحصول على دعم نفسي متخصص لفهم أسبابه والتعامل معه.
كيف يمكن للشباب بناء علاقات أكثر عمقاً؟
شددت هوري على أهمية التركيز على جودة العلاقات الاجتماعية بدلاً من عددها، والاستثمار في صداقات تقوم على الثقة والتفاهم والدعم المتبادل.
ودعت إلى تنظيم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وتخصيص وقت أكبر للتفاعل المباشر والمشاركة في الأنشطة الواقعية، مثل العمل التطوعي والفعاليات الجماعية والأنشطة التي تتيح التعارف وبناء علاقات مستقرة.
كما أكدت أهمية التعبير عن المشاعر بصورة واضحة، وعدم التردد في طلب المساندة من الأشخاص الموثوقين عند مواجهة الضغوط النفسية أو الاجتماعية.
وأشارت إلى ضرورة تقبل الذات والتعامل مع مراحل الحيرة والتقلبات النفسية باعتبارها تجارب قد يمر بها الإنسان، دون ربط القيمة الشخصية بمستوى الدخل أو الإنجاز المادي أو الشعبية على المنصات الرقمية.
وبيّنت أن بناء علاقات إنسانية عميقة يحتاج إلى الوقت والاهتمام المتبادل، وأن وجود عدد محدود من الأشخاص الذين يوفرون الدعم الحقيقي قد يكون أكثر أهمية من اتساع دائرة المعارف دون روابط مستقرة.
دور الأسرة والمجتمع في مواجهة العزلة
تؤدي الأسرة والمحيط الاجتماعي دوراً مهماً في مساعدة الشباب على التعامل مع مشاعر الوحدة، من خلال توفير بيئة آمنة تسمح لهم بالتعبير عن مخاوفهم ومشكلاتهم دون خوف من اللوم أو الأحكام المسبقة.
كما يسهم الاستماع إلى الشباب واحترام تجاربهم ومشاعرهم في تعزيز الثقة وتشجيعهم على مشاركة التحديات التي يواجهونها، بدلاً من التعامل معها بصورة منفردة.
وتبرز أهمية المبادرات الاجتماعية والأنشطة الشبابية التي توفر فرصاً للتواصل المباشر والمشاركة، بما يساعد على توسيع العلاقات القائمة على الاهتمامات المشتركة والتعاون.
وعندما تستمر مشاعر العزلة وتؤثر في الدراسة أو العمل أو العلاقات اليومية، يصبح تشجيع الشاب على طلب المساعدة النفسية المتخصصة خطوة مهمة لتقييم حالته وتقديم الدعم المناسب.
علاقات أكثر عمقاً ودعم نفسي مستمر
توضح الأخصائية النفسية هيفين هوري أن مواجهة الوحدة لدى الشباب تتطلب الاهتمام بنوعية العلاقات الإنسانية، والتخفيف من المقارنات الرقمية، وإيجاد توازن بين التواصل الافتراضي والتفاعل المباشر.
كما أن التعامل مع الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وتوفير بيئة داعمة داخل الأسرة والمجتمع، يمكن أن يساعد الشباب على تجاوز مشاعر العزلة وتعزيز قدرتهم على بناء روابط مستقرة.
وتبقى الحاجة إلى الفهم والقبول والمساندة من العوامل الأساسية في الشعور بالانتماء، إذ لا تقاس قوة العلاقات بكثرة الأصدقاء والمتابعين، وإنما بما توفره من ثقة وتواصل ودعم في المواقف اليومية.