بين الأمانة والمسؤولية القانونية.. ماذا تفعل إذا عثرت على مال أو ممتلكات مفقودة؟
يواجه من يعثر على مبلغ مالي أو مجوهرات أو قطع ذهبية أو غيرها من الممتلكات الثمينة موقفاً قد يبدو للوهلة الأولى مرتبطاً بالأمانة والضمير الشخصي، إلا أن المسألة لا تتوقف عند الجانب الأخلاقي، إذ ينظم القانون السوري التعامل مع الأموال والأشياء الضائعة التي تُعرف قانوناً بـ«اللقطة»، ويحدد الإجراءات التي يتوجب على من يجدها اتباعها.
ويضع القانون مسؤوليات على عاتق من يعثر على المال المفقود، بدءاً من تسليمه إلى الجهة المختصة وتوثيق واقعة العثور عليه، وصولاً إلى ترتيب عقوبات في حالات كتم اللقطة أو الادعاء الكاذب بملكيتها، بما يهدف إلى حفظ حق المالك وتنظيم مسؤولية الشخص الذي عثر عليها.
ما المقصود بـ«اللقطة»؟
قالت المحامية غالية هلال، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الأموال والممتلكات المنقولة التي يعثر عليها شخص بعد فقدانها من صاحبها تدخل ضمن مفهوم «اللقطة»، موضحة أن التعامل معها منظم في التشريعات السورية، ومن بينها المرسوم التشريعي رقم 136 لعام 1940.
وأوضحت هلال أن المادة 831 من القانون المدني السوري أحالت تنظيم الحق في اللقطة إلى قوانين خاصة، مشيرة إلى أن المرسوم التشريعي المذكور وضع مجموعة من الأحكام المتعلقة بكيفية تسليم المفقودات وتسجيلها وحفظ حقوق مالكها ومن عثر عليها.
ماذا يجب أن تفعل إذا وجدت مالاً؟
بيّنت هلال أن من يعثر على مال منقول أو غرض ضائع يتوجب عليه عدم الاحتفاظ به بصورة شخصية، وإنما إيداعه لدى دائرة البلدية في المنطقة التي عُثر عليه فيها، أو لدى أقرب سلطة إدارية عندما يكون مكان العثور خارج نطاق البلديات، وفق الأحكام القانونية التي استندت إليها في حديثها.
وأضافت أن الجهة المختصة تسجل اللقطة في سجل خاص، يتضمن تاريخ تسليمها ورقمها المتسلسل وأوصافها وقيمتها التقريبية، إلى جانب بيانات الشخص الذي عثر عليها ومكان إقامته والظروف التي وجدها فيها، استناداً إلى تصريحاته.
وأشارت إلى أن الشخص الذي يسلم اللقطة يحصل على إيصال يتضمن البيانات المتعلقة بها، بما يوثق عملية التسليم ويثبت قيامه بالإجراء المطلوب.
سنة واحدة لاسترداد المال
أوضحت هلال أن صاحب المال الأصلي يستطيع المطالبة باسترداد اللقطة خلال سنة واحدة من تاريخ إيداعها لدى الجهة المختصة، شريطة أن يقدم ما يثبت حقه وملكيته لها.
وأضافت أنه عند استرداد المالك للمال، يدفع وفق الأحكام التي أشارت إليها رسماً يعادل 15 بالمئة من قيمة اللقطة، يخصص منه 10 بالمئة للشخص الذي عثر عليها، و5 بالمئة للبلدية، إلى جانب نفقات الإعلان.
الاحتفاظ باللقطة قد يرتب مسؤولية
حذرت هلال من أن العثور على مال ضائع لا يمنح الشخص حق الاحتفاظ به من تلقاء نفسه، موضحة أن عدم تسليم اللقطة أو إبلاغ الجهات المختصة قد يدخل ضمن جريمة «كتم اللقطة».
وأشارت إلى أن المادة 659 من قانون العقوبات، وفق النص القانوني الذي استندت إليه، تعاقب على كتم اللقطة بالحبس لمدة قد تصل إلى سنة، وبغرامة قد تصل إلى ربع قيمة الردود والعطل والضرر، على ألا تقل عن عشرة ليرات وفق القيمة الواردة في النص التشريعي.
ادعاء الملكية دون حق
نبهت هلال إلى أن المسؤولية القانونية لا تقتصر على الشخص الذي يعثر على المال ويكتمه، بل قد تشمل أيضاً من يتقدم للمطالبة باللقطة مدعياً ملكيتها وهو لا يملك حقاً فيها.
وأوضحت أن المطالبة باللقطة من شخص لا حق له بها يمكن أن تدخل، وفق المادة 641 من قانون العقوبات التي استندت إليها، ضمن أحكام الاحتيال، مع عقوبة بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين وغرامة تتراوح بين خمسين وخمسمئة ليرة وفق النص المذكور.
الإعلان لا يعني كشف جميع التفاصيل
يساعد الإعلان عن العثور على مال أو ممتلكات مفقودة في الوصول إلى أصحابها، إلا أن التعامل مع الإعلان يتطلب الحفاظ على معلومات تسمح بالتحقق من هوية المالك الحقيقي، بدلاً من كشف جميع أوصاف المفقودات بصورة تتيح لأي شخص الادعاء بأنها تخصه.
ويبرز هنا دور الإجراءات الرسمية في توثيق اللقطة وبيانات العثور عليها والتحقق ممن يطالب بها، بما يحفظ حقوق الأطراف ويحد من محاولات استغلال المفقودات أو المطالبة بها من دون وجه حق.
الأمانة تتجاوز الالتزام القانوني
يرى مختصون أن إعادة الأموال والممتلكات المفقودة إلى أصحابها لا تقتصر على الالتزام بالإجراءات القانونية، بل تعكس أيضاً مستوى المسؤولية الاجتماعية واحترام حقوق الآخرين، وتسهم في تعزيز الثقة والتعاون داخل المجتمع.
وتظهر أهمية هذا السلوك بصورة خاصة في الحالات التي يعيد فيها أشخاص مبالغ مالية أو مقتنيات ثمينة رغم حاجتهم إليها أو ظروفهم الاقتصادية الصعبة، إذ تتحول إعادة الحقوق إلى أصحابها إلى نموذج يعزز مفهوم الأمانة والمسؤولية المجتمعية.
القانون يحفظ حق المالك والملتقط
يبقى التعامل مع الأموال المفقودة، وفق ما أوضحته المحامية غالية هلال، مسألة منظمة قانوناً وليست خاضعة للاجتهاد الشخصي، إذ تبدأ المسؤولية بتسليم اللقطة وتوثيقها لدى الجهات المختصة، بينما يحتفظ صاحبها بحقه في المطالبة بها ضمن المدة القانونية المحددة.
ويجمع هذا التنظيم بين حماية ملكية الشخص الذي فقد أمواله أو مقتنياته، وحفظ حقوق من عثر عليها والتزم بالإجراءات القانونية، في وقت يبقى فيه تسليم المفقودات إلى أصحابها سلوكاً يعزز الأمانة والثقة داخل المجتمع.