المنازل المدمرة... عقبة أمام عودة النازحين والترميم يفوق قدرة المهجرين
المنازل المدمرة... عقبة أمام عودة النازحين والترميم يفوق قدرة المهجرين
● مجتمع ٧ يوليو ٢٠٢٦

المنازل المدمرة... عقبة أمام عودة النازحين والترميم يفوق قدرة المهجرين

رغم تزايد عودة السوريين إلى مناطقهم خلال الأشهر الماضية، لا تزال آلاف العائلات تصطدم بعقبة رئيسية تتمثل في المنازل المدمرة أو المتضررة، والتي تحتاج إلى مبالغ تفوق قدرة معظم الأسر، ما يجعل العودة الدائمة مؤجلة، ويجبر كثيرين على البقاء في مناطق النزوح أو استئجار مساكن بأسعار مرتفعة.

وتصطدم عودة شريحة واسعة من السوريين إلى مناطقهم بعائق انعدام المسكن الذي تحول بالنسبة لآلاف العائلات إلى حلم مؤجل بسبب ارتفاع تكاليف إعادة تأهيلها، في وقت لا تزال فيه القدرة الشرائية للمواطنين عند مستويات متدنية، وسط غياب مصادر تمويل تمكنهم من إعادة بناء حياتهم.

العودة مؤجلة بسبب منزل مدمر

في مدينة عربين بالغوطة الشرقية، يقول أحمد عياش لشبكة شام الإخبارية، إنه كان يأمل بالعودة للاستقرار في منزله بعد سنوات من النزوح، إلا أن حجم الأضرار التي لحقت به جعل ذلك مستحيلاً في الوقت الحالي.

وأوضح أن كلفة ترميم المنزل تقدر بنحو خمسة آلاف دولار أمريكي، وهو مبلغ يفوق قدرته المالية، الأمر الذي اضطره إلى مواصلة الإقامة في منطقة الباسوطة بريف عفرين، بعيداً عن منزله وأقاربه، بانتظار فرصة تمكنه من إعادة تأهيل منزله.

وتتكرر القصة ذاتها في مدينة حمص، حيث أكد ماجد عودة، لشبكة شام الإخبارية أنه لا يزال يعيش في أحد مخيمات أطمة في شمال غربي سوريا، ولا يزور منزله في حي الخالدية إلا لتفقده ثم العودة إلى المخيم.

وأشار إلى أن المنزل تعرض لأضرار تحتاج إلى أعمال ترميم واسعة، وأن دخله لا يسمح بتأمين تكاليف الإصلاح، ما يجعل العودة الدائمة أمراً مؤجلاً رغم رغبته في الاستقرار داخل مدينته.

الترميم... آلاف الدولارات لمنزل واحد

ويؤكد العاملون في قطاع البناء أن إعادة تأهيل المنازل أصبحت عبئاً مالياً كبيراً على الأسر السورية، وقال عبد المنعم عرنان، صاحب ورشة بناء في حمص، لشبكة شام الإخبارية إن تكلفة ترميم منزل متوسط الضرر تتراوح حالياً بين 3500 و6000 دولار أمريكي، بينما قد تتجاوز 10 آلاف دولار في حال كانت الأضرار كبيرة أو احتاج المنزل إلى إعادة تمديدات الكهرباء والمياه والصرف الصحي، إضافة إلى أعمال الإكساء.

وأضاف أن أسعار مواد البناء وأجور العمال ارتفعت بصورة متواصلة خلال الفترة الماضية، ما جعل كثيراً من أصحاب المنازل يؤجلون الترميم أو ينفذونه على مراحل تمتد لسنوات.

مواد البناء تواصل الارتفاع

من جانبه، أوضح مصطفى جوخدار، العامل في مجال التعهدات، لشبكة شام الإخبارية، أن أسعار مواد البناء تشهد ارتفاعاً مستمراً، حيث يبلغ سعر متر البحص قرابة 130 ألف ليرة سورية، ومتر الرمل الجحاري نحو 250 ألف ليرة، ومتر النحاتة حوالي 190 ألف ليرة.

فيما يصل متر الرمل القرواني إلى نحو 330 ألف ليرة بينما يبلغ سعر متر السرك والبودرة نحو 130 ألف ليرة لكل منهما وأشار إلى أن هذه الأسعار لا تشمل أجور النقل والتحميل والتنزيل وأجور اليد العاملة، الأمر الذي يرفع الكلفة النهائية لأي عملية ترميم بصورة كبيرة.

الإيجارات... أزمة موازية

ومع تعذر إعادة تأهيل المنازل، تتجه آلاف الأسر إلى استئجار مساكن، إلا أن هذا الخيار لم يعد أقل كلفة، بل تحول إلى أزمة جديدة نتيجة الارتفاع غير المسبوق في الإيجارات.

ويرى مختصون أن زيادة الطلب على العقارات، بالتزامن مع عودة أعداد متزايدة من النازحين واللاجئين، وخروج أعداد كبيرة من المنازل عن الخدمة بسبب الدمار، أدت إلى تقلص المعروض وارتفاع الأسعار في معظم المدن السورية.

وتشهد العاصمة دمشق بصورة خاصة ارتفاعات متواصلة في بدلات الإيجار، رغم التحسن الذي شهدته الليرة السورية أمام العملات الأجنبية خلال الأشهر الماضية، وهو ما يثير تساؤلات حول آلية تسعير سوق العقارات.

وقال محمود المصري، أحد العاملين في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك بدمشق، لشبكة شام الإخبارية، إنه اضطر لاستئجار منزل في العاصمة بسبب طبيعة عمله، مبيناً أن قيمة الإيجار تستهلك نحو نصف راتبه الشهري، الأمر الذي يفرض أعباء معيشية كبيرة على أسرته.

ويبلغ الحد الأدنى لاستئجار منزل متواضع في أطراف دمشق نحو 20 ألف ليرة سورية جديدة، فيما تصل الإيجارات في الأحياء المتوسطة إلى 50 ألف ليرة سورية جديدة شهرياً، مع اشتراط العديد من المالكين دفع ستة أشهر أو سنة كاملة مقدماً، وهو ما يزيد صعوبة الحصول على مسكن مناسب.

أرقام تكشف حجم التحدي

وبحسب بيانات سبق أن نشرتها الشبكة السورية لحقوق الإنسان تجاوز عدد اللاجئين السوريين خارج البلاد منذ عام 2011 6.8 ملايين شخص حتى نهاية عام 2024، فيما تجاوز عدد النازحين داخلياً 6.9 ملايين شخص.

ومنذ نهاية عام 2024 وحتى الربع الأول من عام 2026، عاد أكثر من 1.5 مليون لاجئ من دول اللجوء، إضافة إلى أكثر من 1.8 مليون نازح داخلي إلى مناطقهم الأصلية.

ورغم ذلك، لا يزال أكثر من 9 ملايين سوري يعيشون في حالة نزوح أو لجوء، فيما يحتاج نحو 15.6 مليون شخص داخل البلاد إلى مساعدات إنسانية، في مؤشر على أن التعافي لا يزال يواجه تحديات كبيرة.

ويرى مختصون أن استمرار عودة السوريين إلى مناطقهم سيظل مرتبطاً بقدرة الأسر على إعادة تأهيل منازلها، إذ إن توفر الأمن وحده لا يكفي لتحقيق الاستقرار، في ظل الدمار الواسع الذي طال الأحياء السكنية وارتفاع تكاليف مواد البناء والإكساء.

ويؤكد هؤلاء أن توفير برامج تمويل ميسرة، وإطلاق مشاريع لإعادة تأهيل المساكن والبنية التحتية، سيكون عاملاً حاسماً في تسريع عودة النازحين واللاجئين، وتخفيف الضغط عن أسواق الإيجارات، وإعادة الحياة إلى المدن والأحياء التي ما زالت آثار الحرب حاضرة فيها.

ومع استمرار عودة اللاجئين والنازحين إلى مختلف المحافظات السورية، تبرز أزمة السكن بوصفها أحد أبرز التحديات التي تواجه مرحلة التعافي، إذ يجد كثير من العائدين أنفسهم أمام منازل غير قابلة للسكن، أو تحتاج إلى أعمال ترميم تفوق إمكاناتهم المادية، ما يدفعهم إلى تأجيل العودة أو الاكتفاء بزيارات متقطعة لمنازلهم، مع البقاء في مناطق النزوح أو اللجوء إلى استئجار مساكن بأسعار مرتفعة.

وبين منزل مدمر لا يستطيع صاحبه ترميمه، وإيجار يلتهم معظم الدخل الشهري، تبقى أزمة السكن واحدة من أكثر الملفات إلحاحاً في سوريا، وعقبة رئيسية أمام عودة مئات آلاف الأسر إلى حياة مستقرة بعد سنوات طويلة من النزوح واللجوء.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ