المشاريع الصغيرة في سوريا.. خبير يوضح استراتيجيات تجنب الخسائر والحفاظ على رأس المال
تواجه المشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر في سوريا تحديات اقتصادية وتشغيلية تؤثر في قدرتها على الاستمرار وتحقيق الأرباح، في ظل محدودية التمويل وارتفاع تكاليف الإنتاج والتشغيل وضعف القدرة الشرائية للمستهلكين، ما يفرض على أصحابها البحث عن أساليب أكثر مرونة لإدارة الموارد وتسويق المنتجات والحد من المخاطر التي قد تؤدي إلى خسارة رأس المال.
وتكتسب هذه المشاريع أهمية متزايدة في مرحلة التعافي الاقتصادي، نظراً إلى قدرتها على توفير فرص عمل وتنشيط الإنتاج المحلي بمستويات استثمارية محدودة نسبياً، ولا سيما في القطاعات المرتبطة بالاحتياجات الأساسية والخدمات والصناعات المنزلية، إلا أن نجاحها يتطلب دراسة السوق وضبط النفقات واختيار مصادر تمويل تتناسب مع طبيعة النشاط والعوائد المتوقعة.
وفي هذا السياق، يوضح الخبير الاقتصادي سامر النقيب، في حديث خاص لشبكة شام الإخبارية، أبرز التحديات التي تواجه المشاريع الصغيرة في سوريا، والخيارات المتاحة لتقليل احتمالات التعثر، بدءاً من اختيار النشاط الاقتصادي المناسب، مروراً بإدارة التكاليف والتسعير، وصولاً إلى تنظيم الإنتاج وتجنب التمويل مرتفع التكلفة.
المشاريع الصغيرة ودورها في التعافي الاقتصادي
قال الخبير الاقتصادي سامر النقيب إن المشاريع الصغيرة تشكل أكثر من 90 بالمئة من إجمالي الأعمال على مستوى العالم، وتسهم في توفير نسبة كبيرة من فرص العمل، ما يمنحها دوراً أساسياً في الاقتصادات المتقدمة والنامية.
وأوضح أن هذه المشاريع تكتسب أهمية خاصة في سوريا، بالنظر إلى الأضرار التي لحقت بالقطاعات الإنتاجية والموارد الاقتصادية خلال سنوات الحرب، والحاجة إلى أنشطة اقتصادية قادرة على العمل بإمكانات محدودة والتكيف مع الظروف المتغيرة.
وأشار إلى أن المشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر توفر فرصاً لاستيعاب العمالة، ولا سيما النساء، وتتيح لفئات واسعة من المجتمع الدخول إلى سوق العمل من خلال أنشطة إنتاجية وخدمية لا تتطلب بالضرورة استثمارات كبيرة.
وأضاف أن دعم هذه المشاريع يسهم في توسيع قاعدة الإنتاج المحلي وتعزيز المشاركة الاقتصادية، إلى جانب توفير مصادر دخل للأسر والفئات الأكثر تأثراً بالأزمات.
وتبرز أهمية هذه الأنشطة في قدرتها على الانتشار ضمن المجتمعات المحلية، والاستجابة لاحتياجات الأسواق القريبة، بما يساعد على تنشيط الحركة الاقتصادية وتوفير فرص عمل تتناسب مع الإمكانات المتاحة.
نقص التمويل والإجراءات الإدارية أبرز التحديات
أوضح النقيب أن نقص التمويل يمثل أحد أبرز العوائق أمام تأسيس المشاريع الصغيرة واستمرارها، في ظل صعوبة الحصول على قروض ميسرة أو تمويل مصرفي بشروط تتناسب مع إمكانات أصحاب المشاريع وطبيعة أعمالهم.
وأشار إلى أن ارتفاع فوائد القروض المصرفية يشكل عبئاً إضافياً على الأنشطة محدودة رأس المال، فضلاً عن تحفظ شريحة واسعة من السوريين على الاقتراض من المصارف التي تعتمد الفوائد، لأسباب تتعلق بقناعاتهم الدينية.
ورأى أن معالجة هذه المشكلة تتطلب توسيع دور المؤسسات والصناديق الداعمة للمشاريع الصغيرة، وتطوير صيغ تمويل قائمة على الشراكة وتقاسم الأرباح، بما يتيح توفير رأس المال دون تحميل أصحاب المشاريع التزامات مالية تفوق قدرتهم على السداد.
ولفت إلى أن التحديات تشمل أيضاً التعقيدات الإدارية والقانونية المرتبطة بالحصول على التراخيص، وبيروقراطية الإجراءات الحكومية، إلى جانب ضعف الخبرات الإدارية والتسويقية لدى بعض أصحاب المشاريع.
وأضاف أن المنافسة مع الشركات الكبرى تمثل تحدياً آخر، نظراً إلى ما تمتلكه تلك الشركات من إمكانات إنتاجية وتسويقية وقدرة أكبر على تحمل التكاليف وتقلبات السوق.
وأكد أهمية توفير برامج تدريب مجانية في مجالات المحاسبة وإدارة الموارد والتسويق الرقمي، إلى جانب تطوير معايير وطنية واضحة للجودة تساعد أصحاب المشاريع على تحسين منتجاتهم وتعزيز قدرتهم التنافسية.
إدارة مرنة للتكيف مع الأزمات الاقتصادية
يرى النقيب أن الحد من تعثر المشاريع الصغيرة يتطلب اعتماد أساليب إدارية مرنة، قادرة على الاستجابة للتغيرات الاقتصادية وتراجع الطلب وتقلب تكاليف المواد الأولية والتشغيل.
وأوضح أن الاعتماد على نماذج الإدارة التقليدية قد يزيد من صعوبة استمرار بعض الأنشطة، خصوصاً في الأسواق التي تعاني ضعف القدرة الشرائية وارتفاع مستويات التضخم.
وأشار إلى أن المبادرات التمويلية والصناديق الحكومية الناشئة، ومنها صندوق دعم المشاريع الصغيرة، إلى جانب بعض المصارف ومؤسسات التمويل والصناديق الخاصة، توفر خيارات لدعم هذه الأنشطة، إلا أن التحديات المرتبطة بتراجع الأجور وارتفاع الأسعار لا تزال تؤثر في قدرة السوق على استيعاب المنتجات.
وأكد ضرورة دراسة احتياجات المستهلكين قبل إطلاق المشروع أو توسيعه، وتحديد حجم الطلب المتوقع، وتجنب الالتزامات التشغيلية المرتفعة التي قد تستنزف رأس المال خلال المراحل الأولى.
وتساعد الإدارة المرنة على تعديل حجم الإنتاج والنفقات وفق حركة المبيعات، بما يحد من تراكم الخسائر ويمنح أصحاب المشاريع قدرة أكبر على التعامل مع التغيرات المفاجئة في السوق.
ما القطاعات الأكثر ملاءمة للمشاريع الصغيرة؟
أوضح الخبير الاقتصادي أن اختيار النشاط المناسب يمثل خطوة أساسية في تقليل مخاطر التعثر، مشيراً إلى أهمية التركيز على المشاريع التي تلبي الاحتياجات الاستهلاكية الأساسية، وتتميز بتكاليف تأسيس وتشغيل محدودة نسبياً.
ونصح بالابتعاد عن الأنشطة المرتبطة بالسلع الكمالية التي قد يتراجع الطلب عليها مع انخفاض القدرة الشرائية، والتوجه نحو المنتجات والخدمات التي يحتاج إليها المستهلك بصورة مستمرة.
وحدد النقيب مجموعة من القطاعات التي يمكن أن توفر فرصاً للمشاريع الصغيرة، من بينها الصناعات الغذائية المبسطة، وإعادة تدوير المخلفات، وصيانة الأدوات والأجهزة، والأنشطة المرتبطة بالطاقة البديلة.
كما أشار إلى أهمية المشاريع الزراعية التي تسهم في توفير منتجات غذائية محلية وبدائل لبعض السلع المستوردة مرتفعة التكلفة، إضافة إلى الخياطة وصناعة المنتجات الجلدية.
وتختلف الجدوى الاقتصادية لهذه الأنشطة بحسب المنطقة وتوافر المواد الأولية وتكاليف الإنتاج ومستوى المنافسة والطلب، ما يجعل دراسة السوق المحلية ضرورية قبل تخصيص رأس المال لأي مشروع.
التسعير المرن وتعديل أحجام المنتجات
لفت النقيب إلى أهمية اعتماد ما وصفه بـ«الهندسة السعرية»، من خلال تعديل أحجام المنتجات وأشكالها وتكاليفها، بما يجعلها أكثر ملاءمة للقدرة الشرائية للمستهلكين.
وأوضح أن محدودية السيولة المتاحة لدى شريحة واسعة من الزبائن تجعل شراء بعض المنتجات بكميات كبيرة أمراً صعباً، ما يستدعي توفير خيارات بأحجام وأسعار تتناسب مع الدخل اليومي أو الأسبوعي.
وأشار إلى إمكانية تطبيق هذه الاستراتيجية من خلال إنتاج عبوات أصغر أو تقسيم المنتجات إلى كميات محدودة، بما يسمح للمستهلك بالحصول على احتياجاته دون الاضطرار إلى دفع مبالغ مرتفعة دفعة واحدة.
ويمكن أن تساعد هذه الآلية أصحاب المشاريع على الوصول إلى شرائح أوسع من المستهلكين، وتحسين حركة المبيعات، شريطة أن تراعي عملية التسعير تكاليف الإنتاج والتعبئة والتوزيع وهامش الربح.
وتبرز أهمية هذه الاستراتيجية في الأسواق التي يتأثر فيها الطلب بصورة مباشرة بتقلبات الدخل والأسعار، حيث تصبح مرونة الكميات والأسعار عاملاً مؤثراً في قرارات الشراء.
الإنتاج وفق الطلب لتجنب تجميد رأس المال
أكد النقيب أهمية تنظيم الإنتاج وفق حجم الطلب الفعلي، وتجنب تصنيع كميات كبيرة من السلع دون وجود مؤشرات كافية على إمكانية تسويقها.
وأوضح أن تراكم المنتجات في المستودعات يؤدي إلى تجميد جزء من رأس المال، وقد يسبب خسائر إضافية إذا كانت المواد قابلة للتلف أو تتأثر بتغير الأسعار والطلب.
وأشار إلى أن اعتماد الإنتاج وفق الطلب يساعد على تقليل تكاليف التخزين والحد من الهدر، ويمنح أصحاب المشاريع قدرة أكبر على تعديل الكميات وفق حركة السوق.
وتزداد أهمية هذا الأسلوب في المشاريع الغذائية والحرفية والأنشطة التي تعتمد على مواد أولية مرتفعة التكلفة أو سريعة التلف.
كما يساعد تنظيم المشتريات ومتابعة المخزون بصورة مستمرة على تحسين إدارة السيولة، وتوجيه الموارد المالية نحو الاحتياجات التشغيلية الضرورية بدلاً من الاحتفاظ ببضائع يصعب تصريفها.
خفض التكاليف التشغيلية والتوسع في التسويق الرقمي
شدد النقيب على ضرورة خفض النفقات التشغيلية، ولا سيما الإيجارات وتكاليف تجهيز المحال، باعتبارها من الالتزامات التي قد تستنزف جزءاً كبيراً من إيرادات المشاريع الصغيرة.
وأوضح أن البدء بالعمل من المنزل، عندما تسمح طبيعة النشاط بذلك، يمكن أن يقلل تكاليف التأسيس والتشغيل، ويتيح توجيه جزء أكبر من رأس المال نحو الإنتاج وشراء المواد الأولية.
وأشار إلى أهمية الاستفادة من منصات التواصل الاجتماعي والتجارة الإلكترونية في عرض المنتجات والوصول إلى الزبائن، بدلاً من الاعتماد الكامل على المحال التجارية التقليدية.
وتتيح هذه الوسائل لأصحاب المشاريع اختبار الطلب على منتجاتهم وتوسيع قاعدة العملاء تدريجياً، مع إمكانية تعديل أساليب التسويق وفق استجابة المستهلكين.
وفيما يتعلق بتكاليف الطاقة، لفت النقيب إلى أن الاعتماد على مصادر بديلة قد يسهم في تخفيض النفقات التشغيلية، خصوصاً في المشاريع التي تحتاج إلى الكهرباء بصورة مستمرة.
وأشار إلى أن تركيب منظومة صغيرة للطاقة الشمسية قد يساعد بعض المشاريع على تقليل الاعتماد على المازوت أو اشتراكات الأمبيرات، مع ضرورة مراعاة كلفة التركيب وحجم الاستهلاك والجدوى الاقتصادية قبل اتخاذ قرار الاستثمار.
التمويل مرتفع الفوائد ومخاطر خسارة رأس المال
حذر الخبير الاقتصادي من اللجوء إلى القروض ذات الفوائد المرتفعة لتمويل المشاريع الصغيرة، خصوصاً في بيئة اقتصادية تتسم بتقلب الأسعار وضعف القدرة الشرائية وعدم استقرار العوائد.
وأوضح أن الاقتراض بشروط مرتفعة التكلفة قد يؤدي إلى تراكم التزامات مالية يصعب تغطيتها من الأرباح التشغيلية، ما يزيد احتمالات التعثر ويهدد رأس المال.
وأشار إلى أن نسبة المشاريع السورية التي تعتمد على التمويل الذاتي تقارب 88 بالمئة، وفق تقديراته، نتيجة صعوبة الحصول على التمويل المناسب وتجنب الشروط المصرفية المرتبطة بالفوائد.
وأكد أهمية البحث عن مصادر تمويل تتناسب مع طبيعة النشاط، بما يشمل الشراكات والصناديق الداعمة وصيغ التمويل القائمة على تقاسم الأرباح، مع دراسة الالتزامات المترتبة على كل خيار.
كما شدد على ضرورة عدم التوسع في الاقتراض قبل التأكد من قدرة المشروع على تحقيق إيرادات منتظمة تكفي لتغطية النفقات التشغيلية والالتزامات المالية.
استمرارية المشاريع بين إدارة المخاطر ودعم بيئة الأعمال
توضح المعطيات التي عرضها الخبير الاقتصادي سامر النقيب أن استمرار المشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر في سوريا يرتبط بقدرة أصحابها على إدارة التكاليف والسيولة، واختيار الأنشطة التي تستجيب لاحتياجات السوق، وتطوير أساليب الإنتاج والتسويق بما يتناسب مع القدرة الشرائية للمستهلكين.
وتبرز أهمية التخطيط المالي وتجنب الالتزامات مرتفعة التكلفة، إلى جانب الاستفادة من الأدوات الرقمية ومصادر الطاقة البديلة عندما تكون مجدية اقتصادياً، في الحد من المخاطر التي قد تؤدي إلى تعثر المشاريع.
وفي المقابل، يتطلب تعزيز دور هذه المشاريع في التعافي الاقتصادي تطوير بيئة تمويلية وإدارية أكثر ملاءمة، وتبسيط إجراءات الترخيص، وتوفير التدريب والدعم الفني، بما يساعد أصحاب الأنشطة الصغيرة على تحسين إنتاجيتهم وقدرتهم على المنافسة.
ويبقى الحفاظ على رأس المال مرتبطاً بمدى واقعية دراسة الجدوى، والانضباط في إدارة النفقات، والقدرة على الاستجابة لتغيرات السوق، مع ضرورة توفير أدوات دعم وتمويل تساعد هذه المشاريع على الاستمرار وتوسيع مساهمتها في الإنتاج المحلي وتوفير فرص العمل.