الفيديوهات التعليمية القصيرة.. هل تساعد الطلاب على الفهم أم تضعف التركيز؟
أصبحت الفيديوهات التعليمية القصيرة وسيلة شائعة للحصول على المعلومات وفهم المفاهيم واكتساب المهارات، خصوصاً بين الطلاب الذين يعتمدون على المحتوى الرقمي في دراستهم، لما توفره هذه المقاطع من شرح سريع وإمكانية إعادة المشاهدة والوصول إلى المعلومات في أي وقت.
ومع تزايد استخدام هذه الوسيلة، تبرز تساؤلات حول مدى قدرتها على تحقيق فهم متكامل للمحتوى التعليمي، وتأثير الانتقال المتواصل بين المقاطع القصيرة في الانتباه والتذكر والتفكير المتعمق، خصوصاً عندما تصبح المشاهدة بديلاً عن القراءة والمناقشة والتطبيق العملي.
وفي حديث خاص لشبكة شام الإخبارية، تناول الدكتور عماد كنعان، الأستاذ الجامعي والباحث في التربية والفكر الإسلامي، الفوائد التعليمية للمقاطع القصيرة وحدود تأثيرها، مستنداً إلى دراسات علمية تناولت التعلم بالفيديو وعلاقة الاستخدام المكثف للمحتوى القصير بالانتباه، مع التأكيد على أهمية التدرج والمثابرة والتعلم النشط.
هل تكفي الفيديوهات القصيرة لفهم المعلومات؟
قال الدكتور عماد كنعان إن الفيديوهات التعليمية القصيرة يمكن أن تساعد الطلاب على فهم المفاهيم والمهارات، خصوصاً عندما تقدم شرحاً واضحاً ومركزاً، وتتيح للمتعلم إيقاف المقطع وإعادة مشاهدته وفق حاجته.
وأوضح أن هذه المزايا تجعل الفيديو أداة مفيدة في تبسيط بعض الموضوعات وتقديم الأمثلة، إلا أن قصر مدة المقطع أو سهولة مشاهدته لا يعنيان بالضرورة أن الطالب استوعب المعلومات أو أصبح قادراً على تطبيقها.
واستشهد بتحليل علمي أجراه نوتل وزملاؤه عام 2021، شمل 105 دراسات، وأظهر أن استخدام الفيديو إلى جانب التدريس يحقق فائدة تعليمية أكبر مقارنة باستبدال التدريس بالفيديو.
وأشار إلى أن نتائج هذا التحليل تتعلق بالفيديو التعليمي عموماً، ولا يمكن اعتبارها دليلاً مباشراً على فاعلية جميع المقاطع القصيرة المتداولة عبر المنصات الرقمية.
وأكد أن الاستفادة الحقيقية تتحقق عندما يكون الفيديو جزءاً من عملية تعليمية متكاملة، تبدأ بتقديم المفهوم، ثم شرحه ومناقشته وتطبيقه، بدلاً من الاكتفاء بمشاهدة المقطع والانتقال إلى غيره.
وربط كنعان هذا التوجه بمبدأ التدرج في التعليم الذي أشار إليه ابن خلدون بقوله: «تلقين العلوم للمتعلمين إنما يكون مفيدًا إذا كان على التدريج»، موضحاً أن بناء المعرفة يحتاج إلى خطوات مترابطة تراعي مستوى المتعلم وقدرته على الاستيعاب.
الاستخدام المتواصل وعلاقته بضعف الانتباه
وفيما يتعلق بتأثير مشاهدة المقاطع القصيرة بصورة متكررة في قدرة الطلاب على التركيز، أوضح كنعان أن الاستخدام المكثف للمحتوى القصير قد يرتبط بصعوبات في الانتباه، خصوصاً عند التصفح المتواصل والانتقال السريع بين موضوعات مختلفة.
وأشار إلى تحليل أجراه نغوين وزملاؤه عام 2025، شمل 71 دراسة و98,299 مشاركاً، ووجد ارتباطاً بين كثرة استخدام المحتوى القصير وضعف الانتباه وضبط الاستجابة.
وشدد على أن هذه النتائج لا تثبت أن مشاهدة المقاطع القصيرة هي السبب المباشر في ضعف التركيز، لأن وجود ارتباط إحصائي بين ظاهرتين لا يعني بالضرورة أن إحداهما تسببت بالأخرى.
كما أكد ضرورة التمييز بين التصفح المتواصل للمحتوى الترفيهي أو المتنوع، وبين مشاهدة مقاطع تعليمية مختارة بعناية ضمن خطة دراسية واضحة، موضحاً أن نتائج الدراسات لا يمكن تعميمها على جميع أشكال الفيديوهات التعليمية القصيرة.
وأشار إلى أن تنظيم وقت المشاهدة والحد من المشتتات يمثلان عاملين مهمين في الحفاظ على انتباه الطالب، خصوصاً عندما تتطلب المادة الدراسية متابعة متواصلة أو معالجة معلومات مترابطة.
هل يؤثر الانتقال السريع بين المقاطع في التفكير المتعمق؟
أوضح كنعان أن الانتقال المتكرر والسريع بين المقاطع قد يقطع تسلسل التفكير، ويقلل الوقت المتاح للطالب لربط المعلومات الجديدة بمعارفه السابقة، أو مراجعة الأفكار وفحصها بصورة متأنية.
وبيّن أن التفكير المتعمق يتطلب وقتاً للتركيز والتحليل والمقارنة، بينما قد يدفع التصفح المتواصل إلى الانتقال من معلومة إلى أخرى قبل استكمال فهمها.
واستشهد بتجربة أجراها تشيوسي وزملاؤه عام 2023، شملت 60 مشاركاً، وأظهرت تراجعاً في تذكر تنفيذ نية سابقة بعد تصفح تطبيق تيك توك.
لكنه أوضح أن هذه النتيجة تتعلق بمهمة محددة مرتبطة بالتذكر، ولا تمثل قياساً شاملاً لقدرة المشاركين على التفكير العميق أو البحث أو التعلم طويل الأمد.
وأكد أن تحديد التأثيرات المستمرة لاستخدام الفيديوهات القصيرة في الصبر على التعلم والتفكير المتعمق يحتاج إلى دراسات مباشرة، تتناول هذه المهارات بصورة محددة وعلى مدى زمني أطول.
ومن المنظور التربوي الإسلامي، أشار كنعان إلى أهمية المثابرة والصبر في طلب العلم، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ (النحل: 127)، وقوله تعالى على لسان موسى عليه السلام: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ (الكهف: 69).
واعتبر أن هذه القيم تنسجم مع الحاجة إلى منح الطالب الوقت الكافي للفهم والمراجعة، وعدم اختزال العملية التعليمية في الحصول السريع على المعلومات.
شروط تجعل الفيديو القصير أداة تعليمية مفيدة
حدد كنعان مجموعة من الشروط التي ينبغي مراعاتها عند استخدام الفيديوهات القصيرة في التعليم، في مقدمتها موثوقية المحتوى، ووضوح الهدف التعليمي، ومناسبته لمستوى الطالب، وارتباطه بموضوع الدرس.
وأوضح أن المقطع التعليمي ينبغي أن يركز على فكرة واضحة أو مهارة محددة، مع تقليل التفاصيل غير الضرورية والمشتتات التي قد تؤثر في انتباه المتعلم.
وأشار إلى تحليل أجراه نوتل وزملاؤه عام 2022، جمع 1,189 دراسة، ودعم أهمية تقسيم المحتوى التعليمي وإبراز الأفكار الأساسية وحذف العناصر التي لا تخدم الهدف التعليمي.
كما استشهد بأعمال الباحثة سينثيا برام عام 2016، التي أكدت أهمية التعلم النشط عند استخدام الفيديو، من خلال إشراك الطالب في أنشطة تساعده على معالجة المعلومات بدلاً من الاكتفاء بالمشاهدة.
وبيّن أن هذه الأنشطة يمكن أن تشمل طرح أسئلة تفسيرية بعد انتهاء المقطع، أو مطالبة الطالب بتقديم مثال جديد، أو تطبيق المفهوم على مسألة عملية.
وأكد أن جودة المحتوى لا تقاس فقط بسهولة عرضه أو جاذبية أسلوبه، بل بمدى قدرته على مساعدة الطالب في فهم المعلومات وتوظيفها بصورة صحيحة.
وربط ذلك بقيمة التثبت من المعرفة في الفكر الإسلامي، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (الإسراء: 36)، في إشارة إلى أهمية التحقق من المعلومات قبل اعتمادها.
كيف نوازن بين الفيديوهات والقراءة؟
اقترح كنعان اعتماد أسلوب تعليمي يجمع بين الفيديوهات القصيرة والقراءة والمناقشة والتطبيق، بحيث يكون المقطع مدخلاً إلى الموضوع أو وسيلة لتوضيح فكرة معينة، وليس المصدر الوحيد للتعلم.
وأوضح أن الطالب يمكن أن يبدأ بمشاهدة فيديو يقدم المفهوم بصورة مبسطة، ثم ينتقل إلى قراءة شرح مكتوب أكثر تفصيلاً، يتبعه نقاش أو نشاط تطبيقي يساعد على تثبيت المعلومات.
كما دعا إلى استخدام التلخيص والاسترجاع من الذاكرة، من خلال مطالبة الطالب بشرح ما تعلمه دون العودة مباشرة إلى المقطع، بما يساعد على تقييم مدى فهمه للمادة.
وأشار إلى أهمية تخصيص أوقات منتظمة للقراءة بعيداً عن الإشعارات الرقمية والمشتتات، خصوصاً في الموضوعات التي تتطلب تركيزاً متواصلاً أو متابعة تسلسل من الأفكار.
وأكد أن هذا النهج يتوافق مع نتائج الدراسات التي تدعم استخدام الفيديو إلى جانب التدريس، ومع المبادئ التي تؤكد أهمية مشاركة الطالب الفاعلة في عملية التعلم.
ولفت إلى أن الجمع بين الوسائل التعليمية المختلفة يتيح الاستفادة من سرعة العرض البصري، مع الحفاظ على المساحة اللازمة للقراءة والتحليل والتفكير.
الفهم والتطبيق معياران لقياس التعلم
شدد كنعان على أن قدرة الطالب على تذكر محتوى الفيديو مباشرة بعد مشاهدته لا تكفي وحدها للحكم على نجاح العملية التعليمية.
وأوضح أن قياس التعلم ينبغي أن يعتمد على قدرة الطالب على شرح المفاهيم بأسلوبه الخاص، وربطها بمعلومات أخرى، وتطبيقها في مواقف أو مسائل جديدة.
وأشار إلى أن هذه المعايير تساعد على التمييز بين التعرف السريع على المعلومات وبين اكتساب معرفة يمكن استخدامها بصورة مستقلة.
كما أكد أهمية دور المعلم في اختيار المقاطع المناسبة وتحديد أهدافها، ودمجها بالشرح والأنشطة التعليمية، ومتابعة مدى استيعاب الطلاب لما يقدم فيها.
ومن منظور الفكر الإسلامي، ربط كنعان بين أهمية القراءة والتدرج والمثابرة في تحصيل المعرفة، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ﴾ (العلق: 1)، بوصف القراءة مدخلاً أساسياً للتعلم وبناء المعرفة.
الفيديو وسيلة مساعدة ضمن عملية تعليمية متكاملة
توضح الدراسات التي استعرضها كنعان أن الفيديوهات التعليمية يمكن أن تقدم فوائد في شرح المفاهيم وتوضيح المهارات، خصوصاً عندما تستخدم بصورة منظمة إلى جانب التدريس والقراءة والأنشطة التطبيقية.
وفي المقابل، تشير بعض الأبحاث إلى وجود ارتباط بين الاستخدام المكثف للمحتوى القصير وصعوبات الانتباه، دون أن تثبت هذه النتائج أن جميع المقاطع القصيرة تؤدي إلى ضعف التركيز، أو أن تأثيراتها تنطبق بالضرورة على الاستخدام التعليمي المنظم.
وتبرز أهمية التمييز بين مشاهدة محتوى متتابع دون هدف واضح، واستخدام مقاطع مختارة لتحقيق أهداف تعليمية محددة، مع توفير الوقت الكافي للفهم والمراجعة والتطبيق.
ويبقى توظيف الفيديوهات القصيرة في التعليم مرتبطاً بجودة المحتوى وطريقة تقديمه ومدى تفاعل الطالب معه، بما يسمح بالاستفادة من الوسائل الرقمية الحديثة دون الاستغناء عن القراءة والتفكير المتعمق والممارسة التي تشكل عناصر أساسية في بناء المعرفة.