التفكير الزائد والاجترار.. متى يتحول البحث عن الإجابات إلى دائرة تستنزف الإنسان؟
يبدأ التفكير الزائد في كثير من الأحيان كمحاولة طبيعية لفهم موقف مزعج أو الوصول إلى حل لمشكلة، لكنه قد يتحول تدريجياً إلى سلسلة متكررة من الأسئلة والتحليلات التي لا تقود إلى نتيجة، خصوصاً عندما يتداخل القلق والخوف من الخطأ والحاجة إلى اليقين مع التجارب الحياتية والمشاعر السلبية.
ويختلف التفكير الهادف إلى حل المشكلات عن الاجترار في النتيجة التي يصل إليها الشخص، فالأول يساعد على اتخاذ قرار أو تحديد خطوة عملية، بينما يعيد الثاني تدوير الموقف ذاته ذهنياً، وقد يزيد القلق والتوتر والندم من دون أن يقدم إجابة جديدة.
لماذا ندخل في دائرة التفكير؟
قال أحمد عرفات، الباحث في مجال الصحة النفسية، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الشخص قد يجد نفسه منشغلاً بصورة متكررة بأسئلة من قبيل: لماذا حدث ذلك؟، ماذا كان ينبغي أن أفعل؟، ماذا لو حدث الأسوأ؟، وماذا كان يقصد الآخرون؟، إلى درجة يتحول معها التفكير من البحث عن حل إلى إعادة تحليل الحدث ومحاولة الوصول إلى اليقين.
وأوضح عرفات أن القلق وصعوبة تحمل عدم اليقين يمثلان من العوامل التي قد تدفع إلى هذا النمط، إذ يحاول العقل مواجهة الشعور بعدم الأمان عبر استعراض الاحتمالات والسيناريوهات المستقبلية، إلا أن السعي إلى الوصول ليقين كامل قد يؤدي، في بعض الحالات، إلى زيادة القلق بدلاً من تخفيفه.
الخوف من الخطأ والسعي للكمال
أشار عرفات إلى أن أنماط التفكير غير المرنة قد تسهم في استمرار الاجترار، ومن بينها المبالغة في تقدير المخاطر والتركيز على الأخطاء وتفسير المواقف بصورة سلبية ومحاولة افتراض ما يدور في أذهان الآخرين.
وأضاف أن السعي إلى الكمال والخوف من ارتكاب الأخطاء قد يدفعان الشخص إلى مراجعة قراراته وتصرفاته مراراً للتأكد من صحتها، ليتحول التفكير تدريجياً من وسيلة للتعلم والاستفادة من التجربة إلى محاولة مستمرة للوصول إلى قرار أو إجابة مثالية.
التجارب الصعبة تعيد الإنسان إلى الماضي
لفت عرفات، في تصريح خاص لـ«شام»، إلى أن المشاعر السلبية والخبرات الحياتية الصعبة، مثل الفشل أو الرفض أو الخلافات العاطفية أو فقدان شخص مهم أو المرور بتجربة مؤلمة، قد تزيد قابلية الشخص للعودة ذهنياً إلى الأحداث ومحاولة البحث عن تفسير لها.
وبيّن أن استعادة الحدث والتفكير فيه مراراً لا تعني بالضرورة أن الشخص يعالجه نفسياً، إذ قد تؤدي هذه العملية إلى إبقاء الانتباه مرتبطاً بالمشاعر السلبية وإطالة مدتها.
وأشار إلى أن بعض الأشخاص يستمرون في الاجترار بسبب اعتقادهم بأن المزيد من التفكير سيقود في النهاية إلى الحل، أو أن مراجعة الموقف مرة إضافية ستكشف الخطأ، ما يدفعهم إلى الاستمرار حتى بعد فقدان التفكير فائدته العملية.
هل التفكير الزائد اضطراب نفسي؟
أوضح عرفات أن التفكير الزائد قد يترافق مع اضطرابات نفسية أخرى، من بينها اضطرابات القلق والاكتئاب والوسواس القهري، لكنه شدد على أن وجود التفكير المتكرر وحده لا يعني بالضرورة وجود اضطراب نفسي.
وبيّن أن تقييم الحالة يرتبط بالسياق ودرجة تكرار الأفكار ومدى صعوبة السيطرة عليها وتأثيرها في حياة الشخص اليومية، بدلاً من اعتبار مجرد كثرة التفكير دليلاً كافياً على وجود اضطراب.
كيف نميز التفكير المفيد عن الاجترار؟
أكد عرفات أن التفكير في المشكلة وفهم أسبابها والبحث عن بدائل يمثل جزءاً طبيعياً من عملية حل المشكلات، إلا أن الاجترار يبدأ عندما يستمر الشخص بالدوران حول الأسئلة والمواقف نفسها من دون الوصول إلى نتيجة أو الانتقال إلى إجراء عملي.
وأوضح أن التفكير المفيد يميل إلى طرح أسئلة مثل: ما الخيارات المتاحة أمامي؟، ماذا أستطيع أن أفعل الآن؟، وما الخطوة الأكثر واقعية؟، بينما يتركز الاجترار غالباً على الماضي أو على احتمالات مستقبلية يصعب حسمها، مثل: لماذا حدث ذلك؟، لماذا قلت هذا؟، وماذا لو حدث الأسوأ؟.
وأشار إلى أن الأثر الانفعالي يمكن أن يساعد أيضاً على التمييز، فالتفكير الموجه نحو الحل قد يكون مرهقاً لكنه يقود عادة إلى وضوح أكبر، بينما يميل الاجترار إلى زيادة القلق والتوتر والشعور بالذنب أو الندم.
سؤال يساعد على اكتشاف الدائرة
اقترح عرفات أن يسأل الشخص نفسه: هل أفكر لكي أصل إلى شيء، أم لأنني غير قادر على التوقف عن التفكير؟.
وأوضح أن التفكير الذي ينتج فهماً جديداً أو قراراً أو خطوة قابلة للتنفيذ يكون أقرب إلى التفكير الوظيفي، بينما قد يشير تكرار الأفكار وزيادة الضيق من دون الوصول إلى نتيجة إلى تحولها نحو الاجترار.
التخفيف لا يعني إيقاف الأفكار بالقوة
شدد عرفات على أن التعامل مع التفكير الزائد لا يقوم على محاولة طرد الأفكار أو إيقافها بالقوة، وإنما على ملاحظتها والتمييز بين الأمور التي يمكن التعامل معها وتلك التي لا يستطيع الشخص تغييرها، ثم إعادة توجيه الانتباه نحو ما يمكن القيام به فعلياً.
ونصح بالتمييز بين المشكلة القابلة للحل والأمر الذي خرج عن نطاق السيطرة، فإذا كانت هناك خطوة عملية يمكن اتخاذها، يمكن تحديد إجراء صغير وواقعي والبدء به، أما عندما يتعلق التفكير بماضٍ لا يمكن تغييره أو بمستقبل يستحيل التنبؤ به بصورة كاملة، فقد يكون من المفيد إدراك حدود السيطرة بدلاً من مواصلة البحث عن يقين مطلق.
الكتابة وتخصيص وقت للتفكير
أشار عرفات إلى أن تخصيص وقت محدد للتفكير وكتابة الأمور التي تشغل الذهن قد يساعدان على تنظيم الأفكار بدلاً من السماح لها بالاستحواذ على اليوم بأكمله.
وأوضح أن الكتابة يمكن تنظيمها حول تحديد ما حدث، وما الأفكار والمشاعر المرتبطة به، وما يستطيع الشخص التحكم فيه، ثم تحديد الخطوة العملية التي يمكن القيام بها.
ونصح كذلك بفحص الأفكار المرتبطة بالتوقعات السلبية، من خلال التساؤل عن الأدلة التي تدعمها، وإمكانية وجود تفسير آخر، وما إذا كان الشخص يتعامل مع احتمال ممكن وكأنه حقيقة مؤكدة.
العودة إلى الحاضر
ذكر عرفات أن بعض الممارسات قد تساعد على إعادة الانتباه إلى اللحظة الحالية، ومنها التنفس الهادئ والمشي وممارسة نشاط يحتاج إلى التركيز، إلى جانب النشاط البدني المنتظم والحصول على نوم كافٍ وتنظيم نمط الحياة.
ونبه إلى عوامل قد تغذي الاجترار، مثل السهر والعزلة والاستخدام المفرط للشاشات، إضافة إلى طلب الطمأنة من الآخرين بصورة متكررة، داعياً إلى الانتباه إلى ارتباط هذه السلوكيات باستمرار دائرة التفكير.
متى تصبح مساعدة المختص ضرورية؟
أكد عرفات أن الاستعانة بمختص نفسي تصبح أكثر أهمية عندما يكون التفكير مستمراً ويصعب التحكم به، أو عندما يسبب ضيقاً واضحاً ويؤثر في قدرة الشخص على ممارسة حياته اليومية.
وحدد من العلامات التي تستدعي الانتباه استمرار الانشغال الذهني لفترات طويلة، وتأثر النوم والتركيز والعمل أو الدراسة والعلاقات، أو بدء الشخص بتجنب مواقف وأنشطة كان يمارسها بصورة طبيعية.
وأضاف أن زيادة مشاعر القلق أو الحزن أو التهيج، والعجز المتكرر عن تخفيف التفكير رغم المحاولات، تستحق التقييم النفسي، ولا سيما عندما تترافق الأفكار مع أعراض نفسية شديدة أو مستمرة.
المختص يساعد على فهم النمط
أوضح عرفات أن اللجوء إلى الدعم النفسي المتخصص يمكن أن يساعد الشخص على فهم نمط التفكير والعوامل التي تبقي دائرة الاجترار مستمرة، إلى جانب اكتساب استراتيجيات أكثر فاعلية للتعامل معها.
وأكد أن الحالات التي تترافق فيها الأفكار المتكررة مع التفكير بإيذاء النفس أو فقدان الرغبة في الحياة تتجاوز إطار التفكير الزائد المعتاد، وتستدعي الحصول على مساعدة مهنية عاجلة وعدم التعامل معها بصورة منفردة.
التفكير طبيعي.. لكن الاستنزاف ليس هدفه
يبقى التفكير جزءاً أساسياً من تعامل الإنسان مع المشكلات والتجارب والقرارات، إلا أن الفارق، وفق ما يوضحه عرفات، يكمن في قدرة التفكير على إنتاج فهم أو قرار أو خطوة عملية، وفي مدى إمكانية التوقف عنه عندما ينتهي دوره.
ويتحول التفكير إلى عبء عندما يدور بصورة متكررة حول الأسئلة ذاتها، ويزيد الضيق من دون تقديم إجابات جديدة، فيما يمكن لملاحظة هذا النمط وتنظيم الأفكار والتركيز على الخطوات الممكنة، والاستعانة بمختص عند الحاجة، أن تساعد على الحد من تأثيره في الحياة اليومية.