التعلق العاطفي بالذكاء الاصطناعي.. أخصائية نفسية توضح الدوافع والمخاطر
التعلق العاطفي بالذكاء الاصطناعي.. أخصائية نفسية توضح الدوافع والمخاطر
● مجتمع ٢٣ أكتوبر ٢٠٢٦

التعلق العاطفي بالذكاء الاصطناعي.. أخصائية نفسية توضح الدوافع والمخاطر

مع التوسع في استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي، لم يعد التفاعل معها يقتصر على الحصول على المعلومات وإنجاز المهام، إذ بات بعض المستخدمين يلجؤون إليها للتعبير عن مشاعرهم ومشاركة مخاوفهم والبحث عن الاهتمام والاحتواء، وصولاً إلى تكوين ارتباط عاطفي قد يؤثر في علاقاتهم الإنسانية.

ويثير هذا التحول تساؤلات حول الاحتياجات النفسية التي تدفع الإنسان إلى التعلق بأداة تقنية، ومدى قدرتها على توفير الشعور بالفهم والأمان، والحدود التي تفصل بين الاستفادة من المحادثات الرقمية والاعتماد العاطفي المفرط عليها.

احتياجات نفسية وراء التعلق العاطفي

قالت الاختصاصية النفسية سدرة الأحمد، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا تشهد تغيرات متسارعة، مع دخول الذكاء الاصطناعي في تفاصيل الحياة اليومية، وظهور أنماط من التفاعل تتجاوز الاستخدامات التقنية التقليدية.

وأوضحت أن التعلق العاطفي بهذه الأدوات قد يرتبط بالحاجة إلى الاهتمام والقبول والأمان النفسي، خصوصاً لدى الأشخاص الذين يجدون صعوبة في التعبير عن مشاعرهم أو يفتقرون إلى علاقات توفر لهم الدعم والاحتواء.

وأضافت أن إتاحة مساحة للحديث دون الخوف من الانتقاد أو الرفض قد تشجع بعض المستخدمين على مشاركة تفاصيل شخصية بصورة متكررة، فيما تسهم الاستجابات المصممة وفق سياق المحادثة في تعزيز الشعور بالألفة والقرب.

وأشارت إلى أن إدراك المستخدم أن الذكاء الاصطناعي ليس إنساناً لا يمنع بالضرورة نشوء ارتباط عاطفي به، لأن المشاعر تتأثر بالتجارب المتكررة ومدى استجابتها للاحتياجات النفسية، وليس بالمعرفة العقلية وحدها.

وشددت على أن هذا التعلق لا يعني بالضرورة وجود اضطراب نفسي، إذ تختلف دوافعه وطبيعته من شخص إلى آخر، ويتطلب تقييمه فهم الظروف الشخصية ومدى تأثيره في الحياة اليومية.

لماذا يشعر البعض بأن الذكاء الاصطناعي يفهمهم؟

بيّنت الأحمد أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تستطيع تقديم استجابات لغوية تبدو متفهمة ومتقبلة للمشاعر، ما يمنح المستخدم إحساساً بأنه مسموع وقادر على الحديث بحرية.

ولفتت إلى أن هذه التجربة قد تكون جذابة بصورة خاصة لمن يخشون الرفض أو يجدون صعوبة في الإفصاح عن مشاعرهم أمام الآخرين، نظراً إلى غياب بعض التحديات الاجتماعية التي ترافق العلاقات المباشرة.

وأوضحت أن هناك فرقاً بين شعور الشخص بأنه مفهوم، وبين وجود طرف آخر يمتلك وعياً ومشاعر إنسانية تمكنه من مشاركة التجربة العاطفية، فالذكاء الاصطناعي يولّد استجاباته اعتماداً على معالجة اللغة والسياق، دون أن يشكل ذلك دليلاً على وجود مشاعر متبادلة.

وحذرت من أن الاعتياد على الاستجابات السريعة والمتفهمة قد يدفع بعض المستخدمين إلى توقع مستوى مماثل من الاهتمام والتقبل في علاقاتهم الواقعية، رغم أن العلاقات الإنسانية تتطلب التعامل مع الاختلاف وسوء الفهم وتبادل المسؤوليات.

الوحدة والخوف من الرفض يعززان الارتباط الرقمي

أشارت الاختصاصية النفسية إلى أن التعلق بالذكاء الاصطناعي قد يرتبط بالشعور بالوحدة أو نقص الاحتواء العاطفي أو الخوف من الرفض، ولا سيما لدى الأشخاص الذين يواجهون صعوبة في بناء علاقات يشعرون فيها بالأمان.

وأوضحت أن بعض المستخدمين يجدون في المحادثات الرقمية وسيلة أقل تعقيداً للتعبير عن احتياجاتهم، مقارنة بالعلاقات الإنسانية التي تتطلب الثقة المتبادلة ومواجهة احتمالات الخلاف أو عدم القبول.

وأضافت أن تكرار اللجوء إلى الذكاء الاصطناعي عند الشعور بالضيق قد يحوله تدريجياً إلى وسيلة لتجنب المواقف العاطفية والاجتماعية الصعبة، بدلاً من التعامل معها.

وأكدت أن الوحدة ليست التفسير الوحيد لهذه الظاهرة، فقد يكون الشخص محاطاً بالأصدقاء والعائلة، لكنه يفتقر إلى الشعور بالفهم والتواصل العاطفي الحقيقي داخل تلك العلاقات.

متى يتحول الاستخدام إلى تعلق مفرط؟

أوضحت الأحمد أن الشعور بالراحة أثناء الحديث مع الذكاء الاصطناعي، أو استخدامه بصورة متكررة، لا يكفي للحكم بوجود تعلق غير صحي، وإنما ينبغي النظر إلى الدور الذي يحتله في حياة الشخص وتأثيره في علاقاته ومسؤولياته.

وبيّنت أن المؤشرات المقلقة تشمل تفضيل المحادثات مع الذكاء الاصطناعي باستمرار على التواصل مع المقربين، وتجنب العلاقات الواقعية، والشعور بضيق شديد عند تعذر استخدام الأداة.

وقد تظهر مؤشرات أخرى، مثل تراجع الاهتمام بالأنشطة المعتادة، وإهمال المسؤوليات اليومية، والاعتماد شبه الكامل على المحادثات الرقمية للحصول على الطمأنينة أو التعامل مع المشاعر الصعبة.

ولفتت إلى أن من المخاطر المحتملة اعتقاد المستخدم بوجود مشاعر متبادلة بينه وبين النظام، ما قد يدفعه إلى استثمار عاطفي متزايد في تفاعل لا يقوم على العلاقة الإنسانية المتبادلة.

وأكدت أن تقييم هذه الحالة يجب أن يستند إلى أثرها في الأداء اليومي والعلاقات الاجتماعية والقدرة على تنظيم المشاعر، وليس إلى عدد ساعات الاستخدام وحده.

كيف يمكن تحقيق التوازن بين الدعم الرقمي والعلاقات الإنسانية؟

شددت الأحمد على أهمية إدراك طبيعة أدوات الذكاء الاصطناعي وحدودها، وعدم تفسير الاستجابات المتعاطفة بوصفها دليلاً على وجود مشاعر حقيقية أو ارتباط متبادل.

وأوضحت أنه يمكن الاستفادة من هذه التطبيقات في ترتيب الأفكار وفهم المشاعر والتعبير عنها، على أن ينعكس ذلك إيجاباً على التواصل مع الأشخاص الموثوقين وبناء علاقات واقعية أكثر استقراراً.

ودعت إلى تجنب الاعتماد على الذكاء الاصطناعي بوصفه الوسيلة الوحيدة للتعامل مع الضغوط النفسية، لأن مواجهة الخلافات والتعبير عن الاحتياجات ووضع الحدود وتقبل الإحباط مهارات تتطور من خلال التفاعل الإنساني المباشر.

وأشارت إلى أن استخدام المحادثات الرقمية للهروب المستمر من المواقف الصعبة قد يحد من فرص اكتساب هذه المهارات، ويزيد صعوبة التعامل مع العلاقات الواقعية بمرور الوقت.

وأكدت أهمية الحفاظ على أنشطة اجتماعية منتظمة، والتواصل مع الأصدقاء والعائلة، والبحث عن مصادر متنوعة للدعم النفسي والعاطفي.

متى تصبح المساعدة النفسية ضرورية؟

أوضحت الأحمد أن استمرار الشعور بالوحدة أو صعوبة التواصل مع الآخرين، إلى جانب الاعتماد العاطفي على الذكاء الاصطناعي بصورة تؤثر في الدراسة أو العمل أو العلاقات، قد يستدعي الاستعانة باختصاصي نفسي.

وبيّنت أن الدعم المتخصص يمكن أن يساعد الشخص على فهم الاحتياجات التي تدفعه إلى هذا النوع من التعلق، وتطوير وسائل أكثر توازناً للتعامل مع المشاعر وبناء العلاقات.

وأكدت أن المشكلة الأساسية تظهر عندما يتحول الذكاء الاصطناعي إلى بديل دائم عن التواصل الإنساني، أو وسيلة لتجنب العلاقات والتحديات المرتبطة بها.

ويبرز من حديث الأحمد أن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في التعبير عن المشاعر قد تكون جزءاً من استخدامه الطبيعي، لكن الحفاظ على التوازن يتطلب التمييز بين الاستجابة الرقمية والشعور الإنساني المتبادل، مع استمرار الاهتمام بالعلاقات الواقعية بوصفها مصدراً أساسياً للدعم والانتماء.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ