الإساءة إلى رموز الثورة السورية.. محامٍ يوضح التوصيف القانوني وآليات المحاسبة
أعادت الهتافات التي أثارت جدلاً خلال مباراة كرة السلة بين ناديي الكرامة والوحدة في صالة الفيحاء بدمشق، وما قيل إنها تضمنت إساءة إلى الشهيد عبد الباسط الساروت، النقاش حول المسؤولية القانونية عن التجاوزات داخل المنشآت الرياضية، وحدود حرية التعبير، والإجراءات التي يمكن اتخاذها بحق المتورطين بعد التحقق من الوقائع.
وتبرز في هذا السياق تساؤلات بشأن التوصيف القانوني للإساءة إلى رموز الثورة السورية، ومدى إمكانية تطبيق النصوص الجزائية النافذة أو اللوائح الانضباطية الرياضية، إلى جانب المطالبات بإقرار تشريعات واضحة تنظم التعامل مع هذه الوقائع، وتضمن المحاسبة دون المساس بحرية التعبير والنقد المشروع.
غياب توصيف قانوني خاص بالإساءة إلى رموز الثورة
قال المحامي أحمد مزنوق، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن التشريعات السورية لا تتضمن توصيفاً جزائياً خاصاً بالإساءة إلى رموز الثورة السورية، موضحاً أن التعامل القانوني مع مثل هذه الوقائع يعتمد على طبيعة الأفعال المرتكبة والظروف المحيطة بها والأدلة المتوافرة.
وأشار إلى أن بعض التصرفات قد تندرج، بحسب ملابساتها، ضمن الجرائم المتعلقة بالآداب العامة أو القدح والذم، فيما يمكن أن تشكل أفعال أخرى جرائم إثارة النعرات الطائفية أو التحريض على الكراهية، إذا توافرت الأركان القانونية اللازمة لذلك.
وأوضح أن تحديد الوصف الجرمي يعود إلى الجهات القضائية المختصة، استناداً إلى الوقائع المثبتة والنصوص القانونية المنطبقة عليها، ولا يمكن اعتبار كل إساءة جريمة من نوع محدد دون التحقق من مضمونها وسياقها.
ولفت إلى أن وجود تسجيل مصور واضح يوثق الواقعة ويساعد على تحديد هوية مرتكبها قد يتيح لعناصر الشرطة الموجودين في المنشأة الرياضية تنظيم الضبط اللازم، تمهيداً لإحالة الموضوع إلى الجهات المختصة وفق الإجراءات القانونية.
حرية التعبير وحدود المسؤولية الجزائية
أكد مزنوق أن حرية التعبير مكفولة بموجب الأحكام الدستورية، إلا أن ممارستها تخضع للحدود التي يحددها القانون، ولا تشمل الأفعال التي تستوفي شروط الجرائم المتعلقة بالتحريض على الكراهية أو إثارة النعرات الطائفية والمذهبية.
وأوضح أن التمييز بين التعبير عن الرأي والفعل المعاقب عليه يتطلب دراسة مضمون التصريحات أو الهتافات والظروف التي صدرت فيها، ومدى انطباق النصوص الجزائية عليها.
وأشار إلى أن وقوع هذه التصرفات في الملاعب أو المهرجانات والفعاليات العامة لا يمنح مرتكبيها حصانة من المساءلة، إذ يمكن للجهات الأمنية والقضائية التعامل معها عندما تتوافر أسباب قانونية تستدعي التدخل.
وبيّن أن الإجراءات قد تبدأ بضبط الواقعة والتحقق من هوية الأشخاص المعنيين، وصولاً إلى اتخاذ التدابير القانونية المناسبة بحسب طبيعة المخالفة أو الجريمة التي يثبت ارتكابها.
عقوبات رياضية قد تشمل الجماهير والأندية
وفيما يتعلق بمسؤولية المؤسسات الرياضية، أوضح مزنوق أن المنشآت والاتحادات الرياضية تخضع للوائح داخلية تحدد ضوابط السلوك الجماهيري والعقوبات الانضباطية الممكنة عند وقوع مخالفات.
وأشار إلى أن العقوبات قد تشمل حرمان بعض المشجعين من دخول المباريات، أو إقامة لقاءات دون حضور جماهيري، أو فرض غرامات مالية على الأندية، وفق طبيعة المخالفة وأحكام اللوائح المعتمدة.
وأضاف أن بعض الأنظمة الرياضية قد تتضمن عقوبات أشد بحق الأندية، تصل في حالات معينة إلى إنزال النادي إلى درجة أدنى، تبعاً لنوع المخالفة وجسامتها وشروط تطبيق الجزاء.
وأكد أن الجهات الرياضية المختصة تستطيع اتخاذ الإجراءات الانضباطية التي تدخل ضمن صلاحياتها، بالتوازي مع أي إجراءات قضائية قد تستوجبها الأفعال المرتكبة.
ويعتمد تطبيق هذه العقوبات على اللوائح النافذة لدى الاتحاد المختص، ومدى ثبوت المخالفة والمسؤولية عنها، بما يضمن عدم فرض جزاءات خارج الأطر التنظيمية والقانونية المعتمدة.
رموز الثورة بين الذاكرة المشتركة وتعدد الانتماءات
وتطرق مزنوق إلى مسألة تحديد رموز الثورة السورية، مشيراً إلى أن اختلاف الانتماءات والتجارب خلال سنوات الثورة أسهم في تعدد الشخصيات التي تنظر إليها مجموعات مختلفة بوصفها رموزاً لها.
وأوضح أن بعض الشخصيات تحظى بمكانة خاصة لدى فئات أو مناطق معينة، بينما قد تختلف نظرة مجموعات أخرى إليها، وهو ما يجعل وضع تعريف قانوني شامل للرموز مسألة تحتاج إلى دراسة دقيقة.
وأشار إلى أن رمزية الثورة لا تقتصر على الشخصيات المعروفة إعلامياً أو المرتبطة بتنظيمات محددة، وإنما تشمل تاريخ الثورة والتضحيات التي قدمها السوريون خلالها.
واعتبر أن الشهيد عبد الباسط الساروت يمثل أحد رموز الثورة السورية، مؤكداً أن مكانة الشهداء لا تتحدد بمدى شهرتهم، إذ إن الذين فقدوا حياتهم خلال سنوات الثورة، بمن فيهم من لم تُعرف أسماؤهم على نطاق واسع، يشكلون جزءاً من ذاكرتها وتاريخها.
مطالبات بإطار تشريعي لحماية رموز الثورة
رأى مزنوق أن معالجة الإساءات التي تستهدف رموز الثورة السورية يمكن أن تكون من خلال إطار تشريعي يضعه مجلس الشعب، بما يحدد الضوابط القانونية المتعلقة بحماية تاريخ الثورة ورموزها وتضحياتها.
وأشار إلى إمكانية سن قانون خاص ينظم هذه المسألة، أو تناولها ضمن إطار أوسع للعقد الاجتماعي الذي يحدد المبادئ والقيم المشتركة للمجتمع السوري.
وأوضح أن وجود قواعد قانونية واضحة قد يساعد على معالجة التجاوزات بصورة مؤسسية، بدلاً من ترك التعامل معها لاجتهادات متباينة أو ردود فعل مرتبطة بكل حادثة.
وتثير هذه المقترحات الحاجة إلى تحديد الأفعال المحظورة بصورة دقيقة، والتمييز بين الإساءة التي تستوجب المساءلة والنقد السياسي أو التاريخي المشروع، بما يضمن عدم استخدام أي تشريع لتقييد حرية التعبير.
سناء العلي: الإساءة إلى الشهداء تهدد السلم الأهلي
من جهتها، قالت الصحفية سناء العلي، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن الإساءة إلى رموز الثورة السورية وشهدائها سلوك مرفوض أخلاقياً ومجتمعياً، لما ينطوي عليه من استفزاز لمشاعر عائلات الضحايا وإثارة للخلافات بين السوريين.
وأكدت أن جميع شهداء سوريا يستحقون الاحترام والتقدير، وأن تحويل أسمائهم وتضحياتهم إلى مادة للإساءة قد يؤدي إلى تعميق التوتر الاجتماعي والإضرار بالجهود الرامية إلى تعزيز السلم الأهلي.
وأوضحت أن ما أثارته الحادثة من ردود فعل يعكس المكانة التي يحتلها عبد الباسط الساروت في وجدان شريحة واسعة من السوريين، ولا سيما ممن ارتبطت ذاكرتهم بمشاركته في الثورة وتضحياته.
وأشارت إلى تأثرها الشديد عند اطلاعها على الأنباء المتعلقة بالإساءة، متسائلة عن أثر هذه التصرفات على والدة الشهيد وعائلته، وعلى عائلات الشهداء الذين تحملوا خسائر كبيرة خلال سنوات الثورة.
واعتبرت أن احترام مشاعر هذه العائلات مسؤولية مجتمعية، وأن الخلافات الرياضية أو اختلاف المواقف لا يبرران توجيه الإهانات إلى الشهداء أو استغلال ذكراهم لإثارة التوتر.
دعوات إلى محاسبة رادعة ومنع تكرار التجاوزات
شددت العلي على ضرورة التحقيق في الحادثة ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن الإساءة، معتبرة أن التساهل مع مثل هذه التصرفات قد يشجع على تكرارها.
واستشهدت بالمثل القائل: «من أمن العقوبة أساء الأدب»، مؤكدة أهمية اتخاذ إجراءات واضحة وحازمة تتناسب مع طبيعة الفعل المرتكب.
ورأت أن المحاسبة العادلة تمثل وسيلة لحماية مشاعر عائلات الشهداء والحد من التصرفات الاستفزازية التي قد تؤدي إلى خلافات بين أبناء المجتمع السوري.
كما دعت إلى التعامل مع هذه الوقائع بالجدية اللازمة، بعيداً عن الاكتفاء بردود الفعل الإعلامية أو بيانات الاستنكار، مع ضرورة اتخاذ إجراءات تمنع تكرارها في المناسبات الرياضية والعامة.
بين المحاسبة القانونية والمسؤولية الرياضية
تكشف الآراء القانونية والمجتمعية المرتبطة بحادثة الإساءة إلى الساروت عن مسارين للتعامل مع مثل هذه الوقائع؛ أولهما تطبيق النصوص الجزائية النافذة عندما تتوافر أركان جريمة محددة، وثانيهما تفعيل اللوائح الرياضية لمعالجة المخالفات التي تقع داخل الملاعب.
ويؤكد المحامي أحمد مزنوق أن غياب توصيف قانوني خاص بالإساءة إلى رموز الثورة لا يمنع مساءلة مرتكبي الأفعال التي تندرج ضمن جرائم منصوص عليها في التشريعات الحالية، شريطة ثبوت الوقائع وتوافر شروط المسؤولية القانونية.
وفي المقابل، تبرز مطالبات بدراسة إطار تشريعي أكثر وضوحاً يتناول حماية رموز الثورة وذاكرتها، مع تحديد الأفعال التي تستوجب العقاب وضمان عدم الخلط بين الإساءة والتحريض من جهة، وحرية التعبير والاختلاف في الرأي من جهة أخرى.
وتبقى معالجة الحادثة مرتبطة بالتحقق من مضمون الهتافات وتحديد المسؤولين عنها، وتطبيق الإجراءات القانونية والانضباطية المناسبة عند ثبوت المخالفات، بما يحقق المحاسبة ويحفظ حقوق جميع الأطراف ويحد من انتقال الخلافات الرياضية إلى توترات مجتمعية.