الإساءة إلى رموز الثورة السورية.. محامية تطالب بتشريع واضح يضمن المحاسبة
أعادت الهتافات التي قيل إنها تضمنت إساءة إلى الشهيد عبد الباسط الساروت، خلال مباراة كرة السلة بين ناديي الكرامة والوحدة في دمشق، النقاش حول المسؤولية القانونية عن التجاوزات التي تستهدف رموز الثورة السورية، وحدود حرية التعبير، والإجراءات التي يمكن اتخاذها لمحاسبة المسؤولين عنها ومنع تكرارها.
وأثارت الحادثة ردود فعل غاضبة ومطالبات بالتحقيق في ملابساتها، وسط دعوات إلى وضع إطار قانوني واضح يحدد الأفعال التي تستوجب المساءلة، ويضمن حماية كرامة الشهداء وذاكرة الضحايا، مع الحفاظ على حرية التعبير والنقد المشروع ومنع التعسف في تطبيق القانون.
وتبرز في هذا السياق مسؤولية المؤسسات الرياضية والجهات القضائية والحقوقية في التحقق من الوقائع وتوثيق الأدلة وتحديد المسؤوليات بصورة فردية، بعيداً عن تعميم الاتهامات على جماهير الأندية أو اتخاذ إجراءات تحت تأثير ردود الفعل.
رموز الثورة ومكانتها في الذاكرة السورية
قالت المحامية أسماء نعسان، في حديث خاص لشبكة شام الإخبارية، إن التعامل مع الهتافات المسيئة إلى رموز الثورة السورية باعتبارها مجرد خلافات بين جماهير الأندية يتجاهل طبيعة القضية وأبعادها الاجتماعية والإنسانية.
وأوضحت أن تجاوز المنافسة الرياضية إلى الإساءة لشخصيات ارتبطت بتضحيات السوريين يمس مشاعر شريحة واسعة من المجتمع، ولا سيما عائلات الشهداء والمعتقلين والناجين من الانتهاكات.
وأكدت أن رموز الثورة السورية تحتل مكانة خاصة في الذاكرة الجماعية، بالنظر إلى ارتباطها بسنوات القصف والاعتقال والتهجير والتضحيات التي قدمها السوريون خلال مواجهة نظام الأسد البائد.
وأشارت إلى أن الشهيد عبد الباسط الساروت يمثل بالنسبة إلى كثير من السوريين إحدى الشخصيات المرتبطة بتاريخ الثورة ومسيرتها، الأمر الذي يفسر حساسية أي إساءة تستهدف اسمه أو رمزيته.
وشددت على أن رموز الثورة وتضحيات السوريين تستحق التعامل معها باحترام ومسؤولية، خصوصاً في المناسبات العامة والفعاليات الرياضية التي تجمع جماهير من مختلف المحافظات.
تكرار الإساءات يثير تساؤلات حول فاعلية المساءلة
ترى نعسان أن خطورة هذه الوقائع تتزايد عندما تتكرر التجاوزات دون ظهور إجراءات واضحة لمعالجتها، معتبرة أن التعامل مع كل حادثة باعتبارها خلافاً عابراً قد يضعف أثر القواعد المنظمة للسلوك الجماهيري.
وأوضحت أن تكرار الهتافات المسيئة يفرض على الجهات المعنية مراجعة آليات التحقيق والمحاسبة، والتأكد من وجود إجراءات قادرة على منع تكرار المخالفات داخل المنشآت الرياضية.
وأضافت أن التساهل مع التجاوزات التي تثبت مسؤولية مرتكبيها قد يشجع على استمرارها، خصوصاً عندما لا تكون نتائج التحقيقات أو الإجراءات الانضباطية واضحة للرأي العام.
وأكدت أن المطالبة بالمحاسبة لا تعني تجاوز القانون استجابة للغضب الشعبي، وإنما تستند إلى ضرورة تطبيق النصوص النافذة على الأفعال التي تستوجب المساءلة، وفق الأدلة والإجراءات القانونية المعتمدة.
وقالت نعسان في تصريحها لشبكة شام: «نحن لا نطالب باستثناء من القانون، بل بتطبيقه، ولا نطالب بعقوبة خارج إطاره، بل بمساءلة واضحة تضمن ألا تتحول كرامة الناس وذاكرتهم إلى مساحة مستباحة».
التمييز بين النقد المشروع والإساءة والتحريض
أكدت المحامية أن حماية رموز الثورة السورية تستدعي التمييز بين حرية التعبير والنقد السياسي أو التاريخي، وبين الأفعال التي تتضمن تحريضاً أو إهانة متعمدة تستوفي شروط المساءلة القانونية.
وأوضحت أن الاختلاف في تقييم الشخصيات العامة أو مناقشة مواقفها التاريخية يندرج ضمن النقاش المشروع، في حين تتطلب الأفعال التي تتجاوز ذلك إلى التحريض أو ارتكاب مخالفات يعاقب عليها القانون معالجة وفق النصوص النافذة.
وبيّنت أن الحماية القانونية لا يمكن أن تستند إلى حجم التأييد الشعبي لشخصية معينة أو مكانتها لدى فئة من المجتمع، وإنما ينبغي أن تقوم على قواعد واضحة تحدد الأفعال المحظورة وشروط المسؤولية عنها.
وشددت على أن وضوح هذه الحدود يشكل ضمانة لحماية الذاكرة الوطنية وكرامة الضحايا، وفي الوقت نفسه يمنع استخدام المطالبات بالمحاسبة لتقييد الآراء أو تجريم الاختلاف السياسي والتاريخي.
مطالبات بتشريع يحدد الأفعال والعقوبات
دعت نعسان إلى دراسة إقرار نص قانوني واضح يعالج الإساءات المتعمدة إلى رموز الثورة السورية، ويحدد بدقة الأفعال التي تستوجب المساءلة والجزاءات المناسبة لها.
وأوضحت أن تكرار هذه الوقائع يثير تساؤلات بشأن كفاية الأطر القانونية والتنظيمية الحالية، ومدى الحاجة إلى نصوص أكثر تحديداً تمنع اختلاف التعامل مع الحالات المتشابهة.
وأكدت ضرورة أن يتضمن أي تشريع مقترح تعريفات دقيقة للأفعال المحظورة، وضمانات تحول دون استخدامه لتصفية الحسابات أو التضييق على حرية التعبير والنقد المشروع.
وأضافت أن العقوبات ينبغي أن تكون متناسبة مع طبيعة الأفعال المرتكبة وجسامتها، وأن تخضع إجراءات المساءلة للضمانات القانونية التي تكفل العدالة والمساواة أمام القانون.
وشددت على أن الهدف من المطالبة بالتشريع يتمثل في توفير آلية قانونية قابلة للتطبيق، تعالج التجاوزات وفق قواعد معلنة، وتمنع بقاء هذه القضايا مرتبطة بردود الفعل الآنية أو بيانات الاستنكار.
المسؤولية فردية ولا تشمل جماهير الأندية
وفيما يتعلق بتحديد المسؤوليات، أوضحت نعسان أن المساءلة القانونية يجب أن تستند إلى الفعل المرتكب والأدلة التي تثبت مسؤولية الشخص عنه، دون ربطها بانتمائه إلى نادٍ رياضي أو وجوده ضمن مجموعة من المشجعين.
وأكدت أن وقوع مخالفة داخل المدرجات لا يبرر تحميل جمهور النادي بأكمله مسؤولية تصرفات أفراد محددين، إذ ينبغي التحقق من هوية المشاركين وطبيعة أفعالهم قبل اتخاذ الإجراءات بحقهم.
وأشارت إلى أن تطبيق هذا المبدأ يساعد على تحقيق العدالة ومنع التوسع في الاتهامات، خصوصاً في الحوادث التي تشهد انتشار تسجيلات مصورة أو روايات متضاربة عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وبيّنت أن المسؤولية الفردية تمثل أساساً مهماً لأي تحقيق جاد، سواء تعلق الأمر بإجراءات قضائية أو بعقوبات انضباطية تتخذها المؤسسات الرياضية وفق اللوائح المعتمدة.
دعوة إلى تحقيق شفاف في أحداث المباراة
طالبت نعسان الجهات الرياضية المختصة بإجراء تحقيق جاد وشفاف في الوقائع التي أثارت الجدل خلال مباراة الكرامة والوحدة، وتحديد طبيعة الهتافات التي صدرت والمسؤولين عنها.
وأشارت إلى أهمية دور وزارة الرياضة والشباب والاتحادات الرياضية والجهات المنظمة للمباراة في مراجعة الحادثة، كل ضمن اختصاصه وصلاحياته.
وأكدت ضرورة توثيق التجاوزات والتحقق من التسجيلات المتداولة، والاستماع إلى المعنيين، وتحديد المسؤوليات قبل اتخاذ أي إجراءات قانونية أو انضباطية.
كما دعت إلى إعلان نتائج التحقيق للرأي العام بالقدر الذي تسمح به الإجراءات القانونية، واتخاذ التدابير المناسبة بحق من تثبت مسؤوليته، بما يعزز الثقة بقدرة المؤسسات على التعامل مع المخالفات بصورة عادلة.
وشددت على أن التحقيق ينبغي أن يستند إلى الوقائع والأدلة، وأن يراعي حقوق جميع الأطراف، بعيداً عن الضغوط أو الأحكام المسبقة.
توثيق الأدلة أساس التحقيق والمحاسبة
أوضحت نعسان أن التعامل الحقوقي والمهني مع مثل هذه الحوادث يتطلب توثيقاً دقيقاً للأدلة، بما يسمح بتحديد طبيعة المخالفة أو الجريمة المحتملة، وتقديم المعلومات اللازمة إلى الجهات المختصة.
ويشمل ذلك الاحتفاظ بالتسجيلات المصورة الأصلية، وتحديد زمان الواقعة ومكانها، ومراجعة المقاطع ضمن سياقها الكامل، إلى جانب جمع تقارير مراقبي المباراة وإفادات الشهود.
كما يتطلب التحقيق التحقق من هوية الأشخاص الذين يُشتبه في مشاركتهم، والتأكد من سلامة المواد المصورة وعدم تعرضها للتعديل أو الاقتطاع الذي قد يؤثر في فهم الوقائع.
وأكدت أن تداول مقاطع قصيرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي لا يغني عن التحقق من مضمونها وسياقها، خصوصاً عندما تكون الحادثة موضع روايات متعارضة.
وأشارت إلى أن التوثيق المهني يسهم في حماية حقوق المتضررين والأشخاص المشمولين بالتحقيق، ويحد من احتمالات توجيه اتهامات غير مستندة إلى أدلة كافية.
دور المؤسسات الحقوقية والجهات الرياضية
أكدت نعسان أن المؤسسات الحقوقية تتحمل مسؤولية متابعة هذه القضايا، ومراقبة مدى التزام الجهات المختصة بالإجراءات القانونية، وتوثيق أي تقصير أو انتقائية في تطبيق القواعد.
وأوضحت أن دور هذه المؤسسات يشمل المطالبة بإعلان نتائج التحقيقات ومتابعة الإجراءات المتخذة، بما يساعد على ضمان استمرار المساءلة بعد تراجع الاهتمام الإعلامي بالحادثة.
وفي المقابل، دعت الجهات الرياضية إلى تطبيق اللوائح بصورة متساوية، ووضع آليات واضحة للتعامل مع الهتافات التحريضية والمسيئة داخل الملاعب.
وأشارت إلى أهمية تعزيز مسؤولية منظمي المباريات، وتحديد إجراءات الإبلاغ والتحقيق والجزاءات الانضباطية، بما يساعد على معالجة المخالفات بصورة مؤسسية.
وأضافت أن وضوح الإجراءات واستمرار تطبيقها يسهمان في الحد من التجاوزات، ويعززان ثقة الجماهير بعدالة القرارات الصادرة عن الجهات المختصة.
المحاسبة العادلة لحماية الحقوق ومنع التكرار
شددت نعسان على أن غياب الإجراءات الواضحة عند تكرار الإساءات قد يضعف الثقة بفاعلية المساءلة، ويعطي انطباعاً بإمكان ارتكاب المخالفات دون تحمل تبعاتها.
وأكدت أن معالجة هذه الوقائع تتطلب الانتقال من ردود الفعل المؤقتة إلى إجراءات قانونية وتنظيمية محددة، تضمن التحقق من الأفعال وتحديد المسؤوليات وتطبيق الجزاءات المناسبة عند ثبوت المخالفات.
وأوضحت أن المطالبة بالمحاسبة تنطلق من أهمية بناء دولة قانون يخضع فيها الجميع للقواعد ذاتها، دون استثناءات أو انتقائية، مع ضمان عدم تعرض أي شخص للظلم تحت عنوان حماية الرموز أو الدفاع عن التضحيات.
واعتبرت أن احترام ذاكرة الثورة وكرامة الشهداء يرتبط كذلك بالالتزام بمبادئ العدالة وسيادة القانون، باعتبارها من القيم التي طالب بها السوريون خلال سنوات الثورة.
وتعيد قضية الإساءة إلى عبد الباسط الساروت طرح الحاجة إلى مراجعة الأطر القانونية واللوائح الرياضية المتعلقة بالسلوك الجماهيري، وتحديد مدى كفايتها لمعالجة الأفعال المسيئة والتحريضية، مع الحفاظ على حرية التعبير والنقد المشروع.
وتبقى فاعلية هذه المعالجة مرتبطة بإجراء تحقيقات شفافة، وتوثيق الوقائع بصورة مهنية، وتحديد المسؤوليات الفردية وفق الأدلة، وتطبيق القانون واللوائح بعدالة، بما يحفظ كرامة الضحايا ويحد من تكرار التجاوزات داخل الملاعب والفعاليات العامة.