استذكار مجازر الثورة السورية.. حقوقية توضح دور الذاكرة في تحقيق العدالة وإنصاف الضحايا
استذكار مجازر الثورة السورية.. حقوقية توضح دور الذاكرة في تحقيق العدالة وإنصاف الضحايا
● مجتمع ١٢ أكتوبر ٢٠٢٦

استذكار مجازر الثورة السورية.. حقوقية توضح دور الذاكرة في تحقيق العدالة وإنصاف الضحايا

تتجدد مع ذكرى المجازر التي شهدتها سوريا خلال سنوات الثورة مطالب الحفاظ على شهادات الناجين وتوثيق الجرائم والانتهاكات، باعتبارها جزءاً من الجهود الرامية إلى كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين وإنصاف الضحايا وعائلاتهم، في ظل استمرار ملفات حقوقية وقضائية لم تُحسم بعد.

وتكتسب هذه المطالب أهمية في سياق مسار العدالة الانتقالية، الذي يتطلب التعامل مع إرث الانتهاكات من خلال التوثيق والتحقيق والمساءلة وجبر الضرر، إلى جانب ضمان حق العائلات في معرفة مصير المفقودين والمغيبين قسراً.

وتطرح قضية استذكار المجازر تساؤلات حول دور الذاكرة الجماعية في حماية الوقائع من التزييف، والقيمة القانونية للشهادات والأدلة المحفوظة، ومدى ارتباط الاعتراف بالجرائم وتحقيق العدالة بإمكانية الوصول إلى مصالحة مجتمعية مستدامة.

استذكار المجازر وحماية الحقيقة

قالت المحامية أسماء نعسان، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن استذكار المجازر التي شهدتها سوريا يتجاوز إحياء المناسبات المرتبطة بها، ليشكل وسيلة للحفاظ على الحقيقة والتأكيد على حقوق الضحايا ورفض تجاوز الجرائم بمرور الزمن.

وأوضحت أن الذاكرة، من منظور حقوقي، تؤدي دوراً في حماية الوقائع من التحريف والتزييف، وإبقاء المسؤوليات المرتبطة بالانتهاكات حاضرة في النقاش العام، بما يدعم المطالبة بالمحاسبة وعدم الإفلات من العقاب.

وأشارت إلى أن القضية تكتسب أهمية خاصة في الحالة السورية، حيث ارتبطت سنوات الثورة والحرب بصراع حول توثيق الأحداث وتحديد المسؤوليات عن الجرائم المرتكبة، إلى جانب معاناة الضحايا وعائلاتهم في الوصول إلى الحقيقة.

واعتبرت أن تغير الظروف السياسية أو مرور السنوات لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لإغلاق ملفات الانتهاكات أو تجاوز الحقوق المرتبطة بها، مؤكدة أن الاعتراف بالوقائع يمثل إحدى الخطوات الأساسية في أي مسار جاد للإنصاف.

ولفتت إلى أن العدالة لا تقتصر على الإجراءات القضائية، بل تشمل أيضاً الاعتراف بما تعرض له الضحايا، وصون شهاداتهم، وحماية الوقائع من المحو أو التشويه.

حقوق الضحايا تتجاوز إحياء الذكرى

أكدت نعسان أن إنصاف ضحايا المجازر يبدأ بالاعتراف بما تعرضوا له، وضمان حقهم وحق ذويهم في معرفة الحقيقة، باعتبارهم أصحاب حقوق قانونية وإنسانية تستوجب المعالجة.

وأوضحت أن استذكار الضحايا ينبغي ألا يقتصر على ذكر أسمائهم أو أعدادهم في المناسبات والتقارير، وإنما يجب أن يرتبط بمتابعة مطالبهم المتعلقة بالمحاسبة وجبر الضرر وكشف مصير المفقودين.

وأشارت إلى أن عائلات الضحايا والناجين ما زالت تواجه آثار الانتهاكات التي تعرضت لها، سواء على المستوى الإنساني أو الاجتماعي أو القانوني، ما يجعل التعامل مع هذه الملفات مسؤولية مستمرة.

وشددت على أن تراجع الاهتمام العام بقضية معينة لا يلغي الحقوق المرتبطة بها، ولا يعفي الجهات المعنية من مسؤولية التحقيق في الوقائع وتحديد المسؤوليات وفق الإجراءات القانونية.

وفي هذا السياق، يرتبط حفظ الذاكرة بحقوق الضحايا في الاعتراف والإنصاف، وبضرورة إتاحة المجال أمامهم للمشاركة في المسارات المعنية بكشف الحقيقة ومعالجة آثار الانتهاكات.

التوثيق أساس التحقيق والمساءلة

بيّنت نعسان أن استذكار المجازر يسهم في تعزيز ثقافة التوثيق، وتشجيع الناجين والشهود على الحفاظ على شهاداتهم، وصون الوثائق والأدلة التي قد تكون لها أهمية في التحقيقات والإجراءات القضائية.

وأوضحت أن بعض الأدلة قد تتعرض للفقدان أو التلف مع مرور الوقت، فيما تصبح استعادة تفاصيل الوقائع أكثر صعوبة نتيجة وفاة الشهود أو تغير الظروف المرتبطة بمواقع الجرائم.

وأكدت أن التوثيق لا ينبغي تأجيله إلى حين توافر الظروف المناسبة للمحاكمات، باعتباره أحد المتطلبات الأساسية التي يمكن أن تستند إليها جهود التحقيق والمساءلة لاحقاً.

وتشمل أهمية التوثيق حفظ شهادات الناجين والمعلومات المتعلقة بالضحايا والوقائع والأماكن والتواريخ، مع مراعاة سلامة الشهود وسرية المعلومات وحماية الأدلة من العبث.

وتكتسب هذه الإجراءات أهمية قانونية عندما تُنفذ وفق معايير تضمن موثوقية المعلومات وإمكانية التحقق منها، بما يساعد الجهات القضائية المختصة على تقييمها والاستفادة منها في التحقيقات.

ولفتت نعسان إلى أن كل شهادة محفوظة قد تسهم في كشف جانب من الحقيقة، وأن حماية الوثائق والأدلة تمثل مسؤولية تتجاوز المؤسسات الحقوقية لتشمل الجهات المعنية والمجتمع.

المفقودون والمغيبون قسراً جزء من ملف الذاكرة

ربطت نعسان بين توثيق المجازر والانتهاكات وبين حقوق المفقودين والمغيبين قسراً وعائلاتهم، مؤكدة أن كشف المصير يمثل جانباً أساسياً من الحق في معرفة الحقيقة.

وأوضحت أن الشهادات والوثائق المتعلقة بوقائع الاعتقال والاختفاء والقتل قد تساعد في تتبع مصير الأشخاص المفقودين، أو توفير معلومات تفيد في التحقيقات المرتبطة بالانتهاكات التي تعرضوا لها.

وتبرز أهمية الحفاظ على هذه المعلومات في ظل حاجة العائلات إلى إجابات موثوقة بشأن مصير أبنائها، وما يرتبط بذلك من حقوق قانونية وإنسانية.

كما أن توثيق الوقائع بصورة منهجية يساعد على الربط بين الشهادات والمعلومات المتفرقة، بما قد يسهم في دعم عمليات البحث والتحقيق وتحديد المسؤوليات.

وأكدت نعسان أن حماية الذاكرة في هذه الملفات ترتبط بحقوق لا تزال معلقة، وتتطلب إجراءات عملية تضمن عدم ضياع الأدلة أو تغييب الوقائع.

العدالة الانتقالية بين كشف الحقيقة والمحاسبة

اعتبرت نعسان أن العدالة الانتقالية لا يمكن أن تقوم على تجاهل الجرائم أو تجاوز حقوق الضحايا استجابة لاعتبارات سياسية، مشددة على ضرورة بناء هذا المسار على الاعتراف بالانتهاكات وتحديد المسؤوليات.

وأوضحت أن العدالة الانتقالية تشمل مجموعة من الآليات المترابطة، في مقدمتها كشف الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر وحفظ الذاكرة وإصلاح المؤسسات، إلى جانب اتخاذ التدابير اللازمة لمنع تكرار الانتهاكات.

وبيّنت أن استذكار المجازر يؤدي دوراً في حماية هذا المسار، لأنه يحافظ على الوقائع المرتبطة بالجرائم ويمنع اختزالها في روايات عامة تتجاهل مسؤوليات الأفراد والجهات المتورطة.

وأضافت أن المحاكمات، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لمعالجة آثار الانتهاكات، إذ تتطلب العدالة أيضاً إصلاح المؤسسات التي سمحت بوقوع الجرائم، وتعزيز الضمانات القانونية لحماية الحقوق والحريات.

وشددت على أن حفظ الذاكرة يساعد في إبقاء مطالب الضحايا حاضرة ضمن السياسات والإجراءات المرتبطة بالعدالة الانتقالية، ويحول دون تهميشها خلال المراحل السياسية المختلفة.

هل يمكن تحقيق المصالحة دون مساءلة؟

أكدت نعسان أن المصالحة المجتمعية لا تتحقق بمجرد الإعلان عنها أو الدعوة إلى تجاوز الماضي، وإنما تتطلب معالجة أسباب الانتهاكات والاعتراف بالضحايا وضمان حقوقهم.

وأوضحت أن مطالبة الضحايا بالصمت أو التنازل عن حقوقهم دون كشف الحقيقة والمحاسبة قد تؤدي إلى استمرار الشعور بالظلم، وتضعف الثقة بأي مسار للمصالحة.

ورأت أن التسويات التي تتجاهل مسؤوليات مرتكبي الجرائم لا توفر أساساً مستقراً لمعالجة آثار الانتهاكات، مؤكدة أن المصالحة ينبغي أن ترتبط بإجراءات تحقق الإنصاف وتمنع تكرار ما حدث.

وأضافت أن استذكار المجازر لا يعكس رفضاً لتجاوز آثار الماضي، وإنما يعبر عن ضرورة التعامل معه بصورة تضمن عدم إعادة إنتاج الظروف التي سمحت بوقوع الانتهاكات.

واعتبرت أن التمسك بالذاكرة والمطالبة بالمحاسبة لا ينبغي النظر إليهما بوصفهما دعوة للانتقام، بل جزءاً من السعي إلى تحقيق العدالة وفق القانون.

حفظ الذاكرة ومنع تكرار الانتهاكات

أشارت نعسان إلى أن أهمية توثيق المجازر واستذكارها تمتد إلى المستقبل، من خلال تعزيز الوعي المجتمعي بخطورة الانتهاكات وضرورة بناء مؤسسات تحترم القانون وحقوق الإنسان.

وأوضحت أن الاعتراف بالجرائم وتحديد المسؤوليات يمكن أن يساهما في معالجة آثارها، وتعزيز الثقة بالمؤسسات، وترسيخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب.

كما أن حفظ شهادات الناجين والوثائق المرتبطة بالمجازر يتيح للأجيال اللاحقة الاطلاع على الوقائع، ويساعد على حماية التاريخ من التحريف أو توظيفه لتبرير الانتهاكات.

وأكدت أن العدالة لا ترتبط بإنصاف ضحايا الماضي وحدهم، وإنما تشمل توفير الضمانات التي تحول دون تكرار الجرائم بحق أجيال أخرى.

واختتمت نعسان حديثها بالتشديد على أن المجازر التي لم يُحاسب المسؤولون عنها تظل ملفات عدالة معلقة، وأن مرور الزمن لا يلغي الحاجة إلى كشف الحقيقة وإنصاف المتضررين.

وتبقى العلاقة بين الذاكرة والتوثيق والمساءلة من القضايا الأساسية في مسار العدالة الانتقالية في سوريا، حيث يرتبط حفظ الوقائع والشهادات بقدرة المؤسسات المعنية على التحقيق في الجرائم، وضمان حقوق الضحايا وعائلاتهم، وتطوير إجراءات قانونية ومؤسساتية تمنع تكرار الانتهاكات.

 

 

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ