مجلس الأمن يناقش مستقبل سوريا.. دعم دولي للتعافي وتحذيرات من استمرار الاعتداءات الإسرائيلية
شهد مجلس الأمن الدولي، مساء الاثنين 12 تشرين الأول 2026، جلسة موسعة لمناقشة التطورات السياسية والاقتصادية والإنسانية في سوريا، تركزت على دعم المرحلة الانتقالية وإعادة الإعمار وعودة اللاجئين والنازحين، بالتزامن مع تحذيرات أممية من استمرار التحديات الإنسانية ومخاطر الألغام ومخلفات الحرب والاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية.
وأظهرت المداخلات الأممية والدولية تقارباً في الدعوات إلى دعم التعافي الاقتصادي واحترام سيادة سوريا ووحدة أراضيها، مع التأكيد على ضرورة الانتقال من التعهدات السياسية والمالية إلى تنفيذ مشاريع تنعكس على حياة السوريين.
وتضمنت الجلسة إعلان بريطانيا تخصيص 90 مليون دولار لدعم التعافي في سوريا، والإشارة إلى دعم أوروبي بقيمة 620 مليون يورو، وتمويل من البنك الدولي بقيمة 175 مليون دولار لمشاريع زراعية، في وقت كشفت فيه الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية الطارئة لا تزال ممولة بنسبة 32% فقط.
الأمم المتحدة: الاقتصاد أساس نجاح المرحلة الانتقالية
أكد نائب المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى سوريا، كلاوديو كوردوني، أن الوضع الاقتصادي يمثل أحد العناصر الأساسية لضمان نجاح المرحلة الانتقالية وتحقيق الاستقرار، مشدداً على أهمية تحويل الفرص المتاحة إلى دعم مستدام يحقق نتائج ملموسة للمجتمعات السورية.
وأوضح كوردوني أن رفع العقوبات أتاح فرصاً جديدة للاستثمار والتعاون المالي، مشيراً إلى إعلان الاتحاد الأوروبي تقديم دعم بقيمة 620 مليون يورو، واعتماد البنك الدولي 175 مليون دولار لمشاريع زراعية.
وبيّن أن الإصلاحات المؤسسية والشفافية والنمو المنصف تشكل ركائز أساسية للتعافي الاقتصادي، كاشفاً أن الأمم المتحدة تبحث مع الحكومة السورية إمكانية عقد مؤتمر لإعادة الإعمار وفق الأولويات الوطنية.
وشدد على أن السوريين ينتظرون إرادة سياسية دولية تترجم إلى تمويل ومساعدة تقنية وتنفيذ مشاريع تؤثر إيجاباً في حياتهم اليومية، بما يضمن استدامة التعافي وعدم اقتصاره على التعهدات المعلنة.
وفي الشأن الداخلي، أشاد كوردوني بمبادرة الحكومة السورية لإعداد خطة عمل وطنية لمكافحة خطاب الكراهية، مع التأكيد على احترام حرية الرأي والتعبير وفق القانون الدولي.
كما رحب بالتعهدات الدولية التي أُعلنت في روما، والبالغة أكثر من 75 مليون دولار لدعم جهود مكافحة الإرهاب في سوريا، مؤكداً استعداد الأمم المتحدة لتعزيز التعاون مع المؤسسات السورية والآليات الدولية في ملف العدالة الانتقالية، مع احترام القيادة والملكية السورية لهذه العملية.
عودة نحو 3.86 ملايين سوري واستمرار نزوح الملايين
كشف الأمين العام المساعد للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ونائب منسق الإغاثة في حالات الطوارئ، محمد يحيى، أن نحو 1.82 مليون لاجئ سوري عادوا إلى البلاد، إلى جانب عودة 2.04 مليون نازح داخلي إلى مناطقهم الأصلية.
وأوضح أن هذه العودة تعكس تقدماً في مسار التعافي ورغبة السوريين في إعادة بناء حياتهم بعد سنوات الحرب، إلا أن التحديات الإنسانية والخدمية لا تزال تعيق تحقيق الاستقرار المستدام.
وأشار إلى أن أكثر من 5.5 ملايين شخص ما زالوا نازحين داخلياً، وفق بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فيما يعيش نحو 770 ألف شخص في المخيمات، يشكل النساء والأطفال ثلاثة أرباعهم.
وبيّن أن تضرر المدارس وشبكات المياه والطاقة، إلى جانب نقص فرص العمل، يحد من قدرة العائلات العائدة على الاستقرار في مناطقها، ويزيد الحاجة إلى استثمارات في الخدمات الأساسية وسبل العيش.
وأكد أن مبادرة «لا مخيمات» لا تعني إغلاق المخيمات وحده، وإنما إنهاء الحاجة إليها من خلال توفير الظروف اللازمة لعودة آمنة ومستدامة، بما يشمل السكن والخدمات وفرص العمل.
وفي الجانب الإنساني، حذر يحيى من أن الاستجابة الطارئة في سوريا لا تزال ممولة بنسبة 32% فقط، مشدداً على أن المساعدات الإغاثية، رغم ضرورتها، لا تكفي لمعالجة الاحتياجات المتراكمة، وأن المرحلة المقبلة تتطلب استثمارات في الحلول المستدامة.
2576 ضحية لمخلفات الحرب منذ كانون الأول 2024
سلطت الإحاطة الأممية الضوء على استمرار مخاطر الألغام والذخائر غير المنفجرة، بوصفها أحد أبرز العوائق أمام عودة السكان وإعادة تأهيل المناطق المتضررة.
وأوضح محمد يحيى أنه جرى الإبلاغ عن 2576 ضحية نتيجة حوادث المتفجرات في سوريا منذ كانون الأول 2024، بينهم نحو 900 قتيل.
وأكد أن إزالة الألغام تتجاوز كونها إجراء لحماية المدنيين، وتمثل شرطاً أساسياً لإعادة بناء مستقبل سوريا، نظراً إلى تأثير مخلفات الحرب في سلامة السكان وإمكانية استعادة النشاط الزراعي والخدمي والاقتصادي.
وتقاطعت هذه التحذيرات مع مداخلات عدد من الدول، بينها فرنسا واليونان، اللتان شددتا على ضرورة تسريع إزالة الألغام وتهيئة الظروف المناسبة لعودة النازحين وحماية الأطفال.
كما دعا مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة، إبراهيم علبي، المجتمع الدولي إلى توفير المعدات والخبرات اللازمة لإزالة الألغام والذخائر غير المنفجرة، مشيراً إلى أن عدد ضحايا مخلفات الحرب منذ التحرير تجاوز 2500 شخص وفق الإحاطات الأممية.
تحذيرات من استمرار الاعتداءات الإسرائيلية
تناولت الجلسة استمرار الأنشطة العسكرية الإسرائيلية في جنوب سوريا، وسط دعوات أممية ودولية إلى احترام سيادة البلاد وسلامة أراضيها والالتزام باتفاق فض الاشتباك لعام 1974.
وقال كوردوني إن الأعمال العسكرية الإسرائيلية مستمرة بصورة يومية، وتشمل إقامة حواجز ونقاط تفتيش وعمليات قصف واحتجاز، محذراً من آثارها على السكان المدنيين.
وأشار إلى تقارير تفيد باستمرار احتجاز إسرائيل 49 شخصاً، داعياً إلى متابعة أوضاعهم وضمان حقوقهم.
وأكد ضرورة وقف الانتهاكات الإسرائيلية لاتفاق فض الاشتباك، واحترام السيادة السورية ووحدة الأراضي السورية.
وفي السياق ذاته، دعت المندوبة الروسية لدى الأمم المتحدة، أنا إيفستينييفا، إسرائيل إلى الانسحاب الفوري من الأراضي السورية المحتلة، بما فيها الجولان، والامتناع عن التصريحات الاستفزازية والالتزام بقرارات مجلس الأمن.
واعتبرت المندوبة الدنماركية، كريستينا ماركوس لاسن، أن الوجود الإسرائيلي في جنوب سوريا يشكل تهديداً لاستقرار البلاد والمنطقة، مؤكدة دعم سيادة سوريا ووحدة أراضيها، وداعية إلى حل دبلوماسي واستئناف المحادثات السورية الإسرائيلية بشأن الوضع الأمني في الجنوب.
كما طالب مندوبو فرنسا وباكستان والبحرين والصين وتركيا بانسحاب إسرائيل من الأراضي السورية المحتلة واحترام اتفاق فض الاشتباك، فيما أكد مندوب باكستان أن الجولان أرض سورية وفق قرارات مجلس الأمن.
وشدد مندوب تركيا على ضرورة الالتزام بالقرار 497 المتعلق بالجولان السوري المحتل، بينما أدان مندوب البحرين التوغلات والاعتداءات الإسرائيلية، معتبراً إياها انتهاكاً للسيادة السورية والقانون الدولي.
ومن جهته، أكد مندوب ليبيا، متحدثاً باسم المجموعة العربية، رفض الاعتداءات الإسرائيلية، بما فيها استهداف مطار أبو الظهور العسكري والبنية التحتية والتوغلات العسكرية، مشدداً على أن الإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى تغيير وضع الجولان باطلة ولاغية بموجب قرار مجلس الأمن 497 لعام 1981.
واشنطن ترحب بالتقدم السوري ولندن تعلن دعماً جديداً
رحبت المندوبة الأمريكية لدى الأمم المتحدة، تامي بروس، بالتقدم الذي تحرزه الحكومة السورية، مشيرة إلى مناقشة عدد من القضايا المرتبطة بتطورات المنطقة مع الرئيس أحمد الشرع.
وأكدت ترحيب الولايات المتحدة بخطوات سوريا لإعادة الاندماج في الاقتصاد العالمي، وبالتعاون القائم بين الحكومة السورية والتحالف الدولي ضد تنظيم «داعش».
وشددت على أن الاستقرار الدائم في سوريا يرتبط بعودة مؤسسات دولة ذات سيادة، كما شجعت التعاون لمنع الاتجار غير المشروع بالآثار، مرحبة بإعادة 36 قطعة من الإرث السوري المسروق.
وفي مداخلة منفصلة، أعلنت مندوبة بريطانيا تخصيص 90 مليون دولار لدعم تعافي سوريا خلال العام المالي الحالي، تشمل قطاعات التعليم وريادة الأعمال وسبل العيش وتوفير فرص العمل والاستجابة للاحتياجات الإنسانية.
ورحبت بالتقدم الذي أحرزته الحكومة السورية خلال الأشهر الماضية في تعزيز العلاقات الدولية والإقليمية وجذب الاستثمارات ودعم إعادة الإعمار، مؤكدة ضرورة احترام سيادة سوريا ووحدة أراضيها، وأن الجولان أرض سورية محتلة.
أما مندوب فرنسا، فأشاد بالتقدم السياسي والدبلوماسي الذي حققته سوريا، داعياً إلى دعم عودتها إلى المجتمع الدولي وتعزيز علاقاتها الإقليمية والدولية، معرباً عن أمله في أن يسهم رفع العقوبات في جذب الاستثمارات.
دعوات دولية لتسريع التعافي وإعادة الإعمار
أكد مندوب باكستان أن رفع العقوبات وتعزيز التعاون الدولي يمكن أن يسهما في دعم التعافي الاقتصادي، بالتوازي مع توفير مساعدات إنسانية مستدامة تستجيب لاحتياجات السوريين.
ودعا مندوب الصين إلى تسريع المساعدات الإنسانية وضمان وصول السلع الأساسية والمعدات، وتعزيز دعم إعادة الإعمار وإنعاش الاقتصاد السوري، مؤكداً استعداد بلاده للعمل مع المجتمع الدولي لدعم الأمن والتنمية والاستقرار.
من جهته، رحب مندوب الصومال، متحدثاً باسم مجموعة الدول الأفريقية الثلاث في مجلس الأمن «A3»، بالزخم الإيجابي الذي تحققه الحكومة السورية، داعياً إلى مواصلة الدعم الدولي وتسريع التعافي المبكر وإعادة الإعمار وإعادة دمج سوريا في النظام المالي العالمي.
كما رحب بتعاون سوريا في ملف الأسلحة الكيميائية ومع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وأكدت مندوبة لاتفيا أهمية تعزيز التعاون بين سوريا والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي في مجالات التعافي الاقتصادي والعدالة الانتقالية، داعية إلى دعم مبادرة «سوريا بلا مخيمات».
وشددت على ضرورة إعادة أكثر من مليوني طفل سوري إلى المدارس وزيادة الاستثمار في التعليم.
وفي السياق الإنساني، دعا مندوب بنما إلى توفير التمويل اللازم لتلبية احتياجات ملايين السوريين، ولا سيما مع اقتراب فصل الشتاء، وضمان عودة اللاجئين والنازحين بصورة آمنة وكريمة وطوعية.
كما دعا مندوب البحرين إلى مواصلة دعم الاحتياجات الإنسانية وضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها دون عوائق، وتعزيز التعافي المبكر وإعادة الإعمار.
وطالبت المجموعة العربية، على لسان مندوب ليبيا، بإزالة القيود الاقتصادية والسياسية المتبقية، ودعم مؤسسات الدولة السورية، وزيادة الدعم المالي والتنموي للدول المستضيفة للاجئين السوريين.
سوريا: الانتقال من إدارة النزوح إلى إنهائه
أكد مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة، إبراهيم علبي، أن بلاده تعمل على الانتقال من مرحلة إدارة النزوح إلى إنهائه، ومن تمويل المخيمات إلى تمويل العودة والتعافي، ضمن مبادرة «بلا مخيمات».
وأوضح أن العودة المستدامة تتطلب توفير منازل صالحة للسكن ومدارس ومراكز صحية وخدمات وفرص عمل، مشدداً على أن إخراج النازحين من المخيمات دون توفير هذه المقومات لا يحقق الاستقرار المطلوب.
وأشار إلى أن عودة دفعات جديدة من العائلات إلى مناطقها تترافق مع مواصلة تأهيل الخدمات والبنية التحتية في المجتمعات المستقبلة.
وأكد أن التعليم يمثل أحد أسس السلم والاستقرار، نظراً إلى حجم الأضرار التي لحقت بالقطاع خلال سنوات الحرب، داعياً إلى دعم إعادة تأهيل المدارس وشبكات المياه والكهرباء وخلق فرص العمل.
وشدد علبي على أن الجانبين الاقتصادي والإنساني يشكلان أساس الاستقرار خلال المرحلة الحالية، وأن سوريا تسعى إلى الانتقال من مرحلة الأزمة إلى دور فاعل في صناعة الحلول والمساهمة في التنمية.
العدالة الانتقالية ومكافحة الإرهاب
تناول علبي ملف العدالة والمساءلة، مؤكداً أن من ارتكب جرائم بحق الشعب السوري لن يفلت من العقاب، وأن الدولة السورية متمسكة بحقوق الضحايا وقضاياها الوطنية.
وأشار إلى أن المؤسسات السورية تمكنت من تفكيك خلايا تابعة لتنظيم «داعش»، وإحباط مخططات إرهابية، وملاحقة شبكات منظمة لتهريب المخدرات.
وفي الشأن السياسي والمؤسساتي، تحدث عن مواصلة مجلس الشعب أداء مهامه التشريعية والرقابية، في إطار ترسيخ دولة المؤسسات والقانون.
وتزامنت هذه المواقف مع تأكيد نائب المبعوث الأممي كلاوديو كوردوني استعداد الأمم المتحدة لدعم مسار العدالة الانتقالية، بالتعاون مع المؤسسات السورية والآليات الدولية، مع احترام القيادة السورية للعملية.
إدانة سورية للاعتداءات الإسرائيلية
أدان علبي استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية، مشيراً إلى مقتل شاب مدني في محافظة القنيطرة قبل أيام، وإطلاق النار على إعلاميين أثناء أداء عملهم في توثيق الأحداث ونقلها.
وأكد أن سوريا باتت شريكاً في أمن المنطقة واستقرارها، وأن احترام الشرعية الدولية وقرارات مجلس الأمن يمثل أساساً لأي جهود حقيقية لتحقيق الأمن.
وشدد على ضرورة ألا تؤدي مخلفات الحرب والإرهاب والاعتداءات الإسرائيلية إلى تقويض الجهود التي يبذلها السوريون لإعادة بناء بلدهم.
كما اعتبر أن مشاركة سوريا في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا العام تعكس مرحلة جديدة من الانخراط الدولي، تقوم على التعافي والتنمية والمساهمة في معالجة التحديات المشتركة.
من التعهدات السياسية إلى الشراكة الفعلية
اختتم المندوب السوري مداخلته بالتأكيد على ضرورة انتقال المجتمع الدولي من إعلان الدعم السياسي إلى بناء شراكات عملية تتضمن التمويل والاستثمارات ونقل الخبرات وتنفيذ مشاريع إعادة الإعمار.
وقال إن سوريا تسعى إلى شراكة عادلة تساعد السوريين على استكمال إعادة البناء وحماية عودتهم، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية تتطلب دعماً اقتصادياً مباشراً وتأهيل البنية التحتية وتحسين الخدمات الأساسية.
وتعكس مداخلات مجلس الأمن وجود اهتمام دولي بدعم التعافي السوري، بالتوازي مع استمرار تحديات كبيرة تتعلق بتمويل الاحتياجات الإنسانية وعودة النازحين وإزالة الألغام وإعادة تأهيل المؤسسات والخدمات.
وتبقى ترجمة التعهدات المالية والسياسية إلى مشاريع قابلة للتنفيذ، وضمان وصول الدعم إلى المجتمعات الأكثر احتياجاً، من أبرز المسائل التي ستحدد أثر التعاون الدولي على مسار التعافي والاستقرار في سوريا خلال المرحلة المقبلة.