وزارة الثقافة تكرّم مؤرخ دمشق محمد مطيع الحافظ تقديراً لمسيرته العلمية
كرّمت وزارة الثقافة السورية المؤرخ والباحث والمحقق الدكتور محمد مطيع الحافظ، خلال حفل أقيم في المكتبة الوطنية السورية بدمشق، تقديراً لمسيرته العلمية الممتدة لعقود، وإسهاماته في تحقيق المخطوطات وتوثيق تاريخ العاصمة وتراثها الثقافي والعلمي، بحضور عدد من المسؤولين والعلماء والباحثين والمهتمين بالشأن الثقافي.
وجاء التكريم احتفاءً بأحد الباحثين السوريين الذين أسهموا في حفظ التراث المخطوط ودراسة تاريخ دمشق وأعلامها ومؤسساتها العلمية، من خلال إنتاج بحثي تجاوز مئة كتاب بين التأليف والتحقيق والعمل المشترك، إلى جانب نشاطه في المؤسسات الثقافية والعلمية المعنية بحفظ المخطوطات وفهرستها.
وزارة الثقافة: تكريم لمسيرة علمية امتدت عقوداً
أكد وزير الثقافة محمد ياسين الصالح، خلال الحفل، أن تكريم الدكتور محمد مطيع الحافظ يأتي تقديراً لمسيرته الطويلة في التأليف وتحقيق المخطوطات وتوثيق تاريخ دمشق وتراجم أعلامها.
وأشار إلى أن الحافظ جمع في أعماله بين المعرفة الواسعة والدقة في التحقيق والبحث، وأسهم في حفظ جوانب مهمة من الذاكرة التاريخية والثقافية السورية.
وأوضح الصالح أن الاحتفاء بالباحثين والمؤرخين يمثل جانباً من مسؤولية المؤسسات الثقافية تجاه الشخصيات التي كرّست حياتها لخدمة المعرفة وصون التراث، والتعريف بإنتاجها العلمي للأجيال الجديدة.
إشادة بدوره في خدمة العلوم والتراث الإسلامي
من جانبه، قال وزير الأوقاف الدكتور محمد أبو الخير شكري إن الحافظ يمثل امتداداً للتقاليد العلمية التي عُرفت بها دمشق عبر تاريخها، مشيراً إلى إسهاماته في خدمة العلوم الشرعية والتراث الإسلامي.
وأكد أهمية الدور الذي يؤديه العلماء والباحثون في حفظ المعرفة ونقلها بين الأجيال، ولا سيما في المجالات المرتبطة بتحقيق النصوص التراثية وتوثيق تاريخ المؤسسات العلمية.
بدوره، أشاد المفتي العام للجمهورية العربية السورية الشيخ أسامة الرفاعي بالمسيرة العلمية للحافظ، مستعرضاً نشأته وتلقيه العلم على أيدي عدد من علماء دمشق.
وأشار الرفاعي إلى ما عُرف عن الحافظ من الجد والاجتهاد والتواضع والحرص على استثمار الوقت في البحث والتحصيل العلمي، معتبراً أن تكريمه يعبر عن التقدير لكل من أمضى حياته في خدمة العلم والمعرفة.
أكثر من مئة كتاب بين التأليف والتحقيق
استعرض مدير إدارة شؤون الحديث الشريف في وزارة الأوقاف الدكتور عمر النشوقاتي أبرز المحطات العلمية في حياة محمد مطيع الحافظ، موضحاً أنه جمع بين التحصيل الشرعي والدراسة الأكاديمية، وخصص جانباً كبيراً من جهوده لدراسة تاريخ دمشق وعلمائها ومدارسها ومساجدها وأسرها العلمية.
وبيّن أن إنتاج الحافظ تجاوز مئة كتاب بين التأليف والتحقيق والمشاركة في الأعمال البحثية، وتناول مجالات متعددة شملت التاريخ والحديث النبوي والقراءات والتراجم ودراسة المخطوطات.
وأشار إلى إسهاماته في مجمع اللغة العربية بدمشق، وعمله في فهرسة مخطوطات دار الكتب الظاهرية، إضافة إلى مشاركته في المؤسسات والمشاريع المعنية بحفظ التراث العربي والإسلامي.
وتبرز أهمية هذا الإنتاج في توثيق جوانب من الحياة العلمية والثقافية في دمشق، والتعريف بشخصياتها ومؤسساتها التاريخية، وإتاحة المصادر التراثية أمام الباحثين والمهتمين.
الحافظ: صون تراث دمشق مسؤولية تتوارثها الأجيال
أعرب الدكتور محمد مطيع الحافظ، في تصريح لوكالة سانا، عن امتنانه للتكريم، مؤكداً أن خدمة تراث دمشق وتاريخها العلمي شكلت مسؤولية حملها طوال مسيرته البحثية.
ودعا الأجيال الجديدة إلى مواصلة العمل على حفظ التراث وتوثيقه وإتاحته للباحثين، بما يضمن استمرار الاستفادة من المصادر التاريخية والمخطوطات العلمية.
وأشار إلى أهمية صون الإرث الحضاري لدمشق، باعتباره جزءاً من الذاكرة الثقافية والعلمية التي تستحق الدراسة والحفظ ونقلها إلى الأجيال المقبلة.
ندوة علمية تستعرض منهجه في التحقيق والتوثيق
أعقب حفل التكريم تنظيم ندوة علمية متخصصة تناولت المحطات الفكرية والبحثية في حياة الحافظ، وأبرز إسهاماته في تحقيق المخطوطات وأرشفتها ودراسة التراث الدمشقي.
وأدار الندوة الدكتور مسلم طيبة، مدير البحث والترجمة والنشر في المكتبة الوطنية السورية، بمشاركة عدد من الباحثين والمختصين الذين تناولوا جوانب مختلفة من أعمال الحافظ ومنهجه العلمي.
واستعرض المؤرخ والمحقق الدكتور نزار أباظة محطات من تجربته البحثية المشتركة مع الحافظ، متناولاً طبيعة الأعمال التي جمعتهما في مجال التأليف والتحقيق.
كما قدم الدكتور محمد عيد المنصور، رئيس قسم الحديث في جامعة بلاد الشام، قراءة في المنهج النقدي الذي اعتمده الحافظ في دراسة السنة النبوية وتوثيق مصادرها.
وشارك في الندوة محمد سعيد منقارة، رئيس جمعية دار الأثر الطرابلسية في لبنان، الذي تناول دور الحافظ في تعزيز التواصل بين المؤسسات العلمية العربية والمراكز المعنية بدراسة التراث الدمشقي.
من هو المؤرخ محمد مطيع الحافظ؟
وُلد الدكتور محمد مطيع الحافظ في دمشق عام 1940، ونشأ في بيئة علمية، حيث تلقى علوم القرآن الكريم والتجويد والفقه الحنفي واللغة العربية على يد عمه الشيخ عبد الوهاب دبس وزيت.
كما تتلمذ على أيدي عدد من علماء دمشق، قبل أن يتابع دراسته الجامعية في كلية اللغة العربية بجامعة دمشق، ويتجه لاحقاً إلى الدراسات الإسلامية وتحقيق التراث والتأليف التاريخي.
وعمل الحافظ في مجمع اللغة العربية بدمشق، وتولى إدارة مكتبته، وأسهم في فهرسة مخطوطات دار الكتب الظاهرية، التي تضم مجموعة مهمة من المصادر التراثية العربية والإسلامية.
كما عمل في مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث في دبي، وترأس لجنة طباعة مصحف الشيخ مكتوم، وشارك في أعمال الإشراف على طباعة المصاحف وتدقيقها.
وواصل نشاطه في البحث والتحقيق والتأليف، مع اهتمام خاص بتاريخ دمشق ومؤسساتها العلمية وتراجم علمائها، إلى جانب الدراسات المتعلقة بالحديث النبوي والقراءات والمخطوطات.
مؤلفات توثق تاريخ دمشق وأعلامها
تضم أعمال محمد مطيع الحافظ مجموعة من المؤلفات والدراسات التي تناولت التاريخ العلمي والاجتماعي لدمشق، وسير الشخصيات التي أسهمت في الحياة الفكرية والثقافية للمدينة.
ومن أبرز مؤلفاته «موسوعة البيوتات العلمية بدمشق»، التي تتناول الأسر المرتبطة بالحياة العلمية في العاصمة، و«أعلام النساء الدمشقيات من القرن الأول الهجري حتى العصر الحاضر»، الذي يوثق سير نساء كان لهن حضور في تاريخ المدينة.
كما ألّف كتاب «القراءات وكبار القراء بدمشق»، إلى جانب تحقيقات لعدد من الكتب التراثية، ودراسات تناولت المدارس والمساجد والمؤسسات العلمية وتراجم العلماء الدمشقيين.
وتعكس هذه الأعمال اهتمام الحافظ بتوثيق تاريخ المدينة من خلال مصادرها المكتوبة وسير أعلامها، وإبراز دور المؤسسات والأسر العلمية في الحفاظ على المعرفة وتناقلها عبر العصور.
تكريم الباحثين وحفظ الذاكرة الثقافية
يأتي تكريم الدكتور محمد مطيع الحافظ في إطار اهتمام وزارة الثقافة السورية بتقدير الباحثين والمؤرخين الذين أسهموا في حفظ التراث الوطني، والتعريف بأعمالهم وإنتاجهم العلمي.
كما يسلط التكريم الضوء على أهمية تحقيق المخطوطات وفهرستها وإتاحتها للدراسة، باعتبارها مصادر أساسية لفهم التاريخ الثقافي والعلمي لسوريا، وتوثيق إسهامات علمائها ومؤسساتها عبر المراحل التاريخية المختلفة.
وتبرز مسيرة الحافظ نموذجاً للعمل البحثي الممتد الذي يجمع بين التأليف والتحقيق والتوثيق، فيما يشكل الحفاظ على هذا الإنتاج وإتاحته للباحثين والأجيال الجديدة جزءاً من الجهود الرامية إلى صون الذاكرة الثقافية السورية واستمرار الاستفادة منها.