من القصف والدمار إلى إعادة التأهيل.. حلب تستعيد جامعها الأموي الكبير
شهدت مدينة حلب افتتاح الجامع الأموي الكبير بعد الانتهاء من أعمال ترميمه وإعادة تأهيله، في خطوة تعيد أحد أبرز المعالم الدينية والتاريخية في المدينة إلى أداء دوره، بعد الأضرار التي لحقت به خلال سنوات الحرب في سوريا، وما رافقها من تضرر عدد من المواقع الأثرية ودور العبادة.
وجرى الافتتاح بحضور وزير الأوقاف الدكتور محمد أبو الخير شكري، ومفتي الجمهورية العربية السورية الشيخ أسامة الرفاعي، ومحافظ حلب المهندس عزام الغريب، ومفتي حلب الدكتور إبراهيم شاشو، إلى جانب عدد من العلماء والشخصيات الرسمية والدينية.
استعادة معلم ديني وتاريخي
يمثل الجامع الأموي الكبير أحد المعالم المرتبطة بتاريخ مدينة حلب وهويتها الدينية والحضارية، إذ يحتفظ بمكانة خاصة لدى سكانها، بالنظر إلى دوره التاريخي بوصفه مكاناً للعبادة والتعليم الديني وتجمع الأهالي.
ويأتي افتتاح الجامع بعد إعادة ترميمه وتأهيله ضمن الجهود الرامية إلى معالجة الأضرار التي تعرضت لها دور العبادة والمواقع التاريخية خلال سنوات الحرب، وإعادة تفعيل دورها في الحياة العامة.
وتكتسب إعادة تأهيل المعالم التاريخية أهمية تتجاوز إصلاح المباني المتضررة، نظراً لارتباطها بالذاكرة الجماعية للسكان، وما تمثله من استمرارية للهوية العمرانية والثقافية للمدينة.
كما يتيح افتتاح الجامع استئناف دوره الديني والتعليمي، ويعيد إليه حضوره ضمن المعالم التي ارتبطت بالحياة الاجتماعية والثقافية في حلب على مدى سنوات طويلة.
استذكار شهداء الثورة السورية
وفي سياق افتتاح الجامع، استذكر الصحفي عبد الكريم ليله شهداء الثورة السورية الذين شاركوا في المعارك التي شهدتها المنطقة المحيطة بالجامع خلال سنوات الحرب، مشيراً إلى الأحداث التي بدأت عام 2012، وصولاً إلى معركة «ردع العدوان».
وقال ليله إن افتتاح الجامع يشكل مناسبة لاستحضار تضحيات الذين قضوا خلال تلك المعارك، مستذكراً ما تعرض له المسجد خلال سنوات سيطرة قوات النظام السابق على أجزاء منه، واستخدامه لأغراض عسكرية، وفق ما أورده في حديثه.
وأشار إلى أن الجامع شهد خلال سنوات الثورة مواجهات وعمليات عسكرية متكررة، تركت آثارها على المبنى ومحيطه، قبل أن تبدأ جهود إعادة ترميمه وتأهيله.
ودعا ليله بالرحمة والمغفرة لشهداء الثورة السورية، معتبراً أن عودة الجامع إلى أداء دوره تحمل دلالة خاصة لدى الأهالي الذين عايشوا سنوات الحرب وما شهدته المدينة من دمار وخسائر.
إعادة بناء الإنسان إلى جانب ترميم الحجر
وتطرق ليله إلى الأهمية التي ينبغي أن تؤديها المساجد بعد إعادة تأهيلها، مؤكداً أن دورها يتجاوز إقامة الشعائر الدينية ليشمل التعليم والمعرفة وتعزيز القيم المجتمعية.
وقال إن «بناء المسجد ليس بناءً للحجر فقط، بل هو بناء للإنسان»، معرباً عن أمله في أن يعود الجامع الأموي الكبير منارة للعلم والمعرفة، ومقصداً للباحثين وطلاب العلم.
وتبرز في هذا السياق أهمية استعادة الوظائف التعليمية والثقافية التي ارتبطت تاريخياً بالمساجد الكبرى، إلى جانب الحفاظ على قيمتها المعمارية والأثرية.
كما أن إعادة افتتاح الجامع تتيح فرصة لتعزيز الأنشطة الدينية والعلمية المرتبطة به، بما يسهم في استعادة جانب من الحياة الثقافية والاجتماعية التي تأثرت خلال سنوات الحرب.
تطلعات لإحياء تراث المكتبة الوقفية
وأعرب ليله عن أمله في أن تتبع إعادة افتتاح الجامع خطوات لاستعادة ما جرى إنقاذه من تراث المكتبة الوقفية في حلب، وإعادته إلى دائرة الاستفادة العلمية والبحثية.
وأشار إلى أهمية أن تعود المكتبة مقصداً للباحثين وطلاب العلم، بما يتيح الاستفادة من محتوياتها التراثية ويعزز حضور الجامع بوصفه مركزاً للمعرفة إلى جانب دوره الديني.
ويمثل الحفاظ على التراث المكتوب والمخطوطات والوثائق التاريخية جانباً مهماً من جهود صون الذاكرة الثقافية للمدينة، خصوصاً بعد الأضرار التي طالت عدداً من مؤسساتها ومواقعها التاريخية.
وتبقى هذه التطلعات مرتبطة بالخطوات والإجراءات التي يمكن اتخاذها مستقبلاً لحماية المجموعات التراثية المتبقية، وتهيئة الظروف المناسبة لحفظها وإتاحتها للباحثين.
إعادة تأهيل المعالم المتضررة
ويعيد افتتاح الجامع الأموي الكبير تسليط الضوء على أهمية ترميم المعالم الدينية والتاريخية التي تضررت خلال سنوات الحرب، باعتبارها جزءاً من جهود التعافي العمراني والثقافي في المدن السورية.
وتشمل هذه الجهود إعادة تأهيل المباني والمحافظة على طابعها التاريخي، إلى جانب استعادة وظائفها الدينية والتعليمية والاجتماعية، بما يساعد على إعادة ارتباط السكان بالمواقع التي شكلت جزءاً من حياتهم اليومية وذاكرتهم المحلية.
ومع استكمال أعمال الترميم وافتتاح الجامع، تستعيد حلب أحد أبرز معالمها التاريخية، فيما تتجه الأنظار إلى استدامة أعمال الصيانة والحفاظ على قيمته الأثرية، وتفعيل دوره في التعليم والمعرفة والحياة الدينية، بالتوازي مع استمرار الحاجة إلى تأهيل بقية المواقع المتضررة في المدينة.