سوريا تنضم إلى المدونة الدولية لحماية السياح.. ما أهميتها وما الذي يتغير في قطاع السياحة؟
أعلنت وزارة الخارجية والمغتربين انضمام الجمهورية العربية السورية رسمياً إلى المدونة الدولية لحماية السياح التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للسياحة (UN Tourism)، في خطوة تهدف إلى تعزيز حماية حقوق المسافرين والزوار، وتطوير الأطر المؤسسية المرتبطة بالخدمات السياحية، ودعم جهود إعادة بناء الثقة بقطاع السياحة السوري.
ويأتي الإعلان في وقت تسعى فيه سوريا إلى تنشيط الحركة السياحية وتوسيع علاقاتها مع المؤسسات الدولية المتخصصة، وسط تحديات تتعلق بالبنية التحتية والخدمات ومعايير السلامة وحماية المستهلك، وهي عوامل تؤثر في قدرة المقاصد السياحية على استقطاب الزوار وتقديم خدمات موثوقة.
إعلان رسمي باستكمال إجراءات الانضمام
وأكد مدير إدارة المنظمات والمؤتمرات الدولية في وزارة الخارجية والمغتربين، سعد بارود، في تصريح لوكالة سانا يوم الاثنين 12 تشرين الأول 2026، أن سوريا انضمت رسمياً إلى المدونة الدولية لحماية السياح، بعد تلقي برقية من الأمانة العامة لمنظمة الأمم المتحدة للسياحة تؤكد استكمال جميع إجراءات الانضمام.
وأوضح بارود أن أهمية الخطوة تتمثل في اعتماد إطار قانوني ومعياري دولي يعزز حماية حقوق المسافرين والسياح بوصفهم مستهلكين للخدمات السياحية، ويساعد على استعادة الثقة بقطاع السفر الدولي.
وأشار إلى أن الانضمام يدعم الميزة التنافسية لقطاع السياحة الوطني، ويعزز الجهود الرامية إلى استقطاب المزيد من الزوار الدوليين وتوسيع التعاون مع المنظمات المتخصصة.
واعتبر أن اعتماد المدونة يسهم في تعزيز مكانة سوريا بوصفها وجهة سياحية موثوقة، ضمن مساعي تطوير القطاع وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للزوار.
ما المدونة الدولية لحماية السياح؟
المدونة الدولية لحماية السياح، المعروفة اختصاراً باسم (ICPT)، هي إطار دولي وضعته منظمة الأمم المتحدة للسياحة لتحديد مجموعة من المبادئ والمعايير المتعلقة بحماية السياح في حالات الطوارئ، وضمان حقوقهم بوصفهم مستهلكين للخدمات السياحية.
واعتمدت الجمعية العامة لمنظمة السياحة العالمية المدونة في كانون الأول 2021، خلال دورتها الرابعة والعشرين في العاصمة الإسبانية مدريد، بموجب القرار رقم 732، بعد أن كشفت جائحة كورونا عن ثغرات في حماية المسافرين، ولا سيما عند إغلاق الحدود وإلغاء الرحلات وتعذر عودة السياح إلى بلدانهم.
وجاء إعداد المدونة لمعالجة المشكلات التي واجهها المسافرون خلال الأزمات، ومنها غياب المعلومات الواضحة، وصعوبة الحصول على المساعدة الصحية والقنصلية، والخلافات المتعلقة بالحجوزات والإلغاءات واسترداد الأموال.
وتوفر المدونة مرجعاً للحكومات والمؤسسات السياحية ومقدمي الخدمات، بهدف تطوير السياسات والتشريعات والإجراءات التي تحمي المسافرين، وتحسن العلاقة التعاقدية بينهم وبين الشركات العاملة في قطاع السياحة.
خمسة محاور لتنظيم حقوق السياح
تتألف المدونة من خمسة فصول رئيسية، تتناول الجوانب القانونية والإجرائية المرتبطة بحماية السياح، بدءاً من تعريف المصطلحات وصولاً إلى آليات تطبيق المبادئ ومتابعتها، ويتناول الفصل الأول التعريفات والمفاهيم الأساسية التي تحدد نطاق تطبيق المدونة والأطراف المعنية بها.
أما الفصل الثاني، فيركز على حماية السياح الدوليين أثناء حالات الطوارئ، بما يشمل الكوارث الطبيعية والأزمات الصحية وغيرها من الظروف الاستثنائية، مع التأكيد على أهمية توفير المعلومات والمساعدة وتسهيل العودة إلى بلدانهم عند الضرورة.
ويعالج الفصل الثالث حقوق السياح في العقود المبرمة مع مقدمي الخدمات، بما في ذلك شروط الحجز والإلغاء والتعويضات وحماية المستهلك، إضافة إلى الحقوق المرتبطة بالحجوزات والمنصات السياحية الإلكترونية.
ويخصص الفصل الرابع لآليات تسوية النزاعات السياحية بوسائل بديلة عن التقاضي، بما يتيح معالجة الخلافات بين المسافرين ومقدمي الخدمات بصورة أكثر مرونة وسرعة.
أما الفصل الخامس، فينظم إجراءات انضمام الدول إلى المدونة، وآليات متابعة تطبيق توصياتها، وتبادل المعلومات والخبرات المتعلقة بحماية السياح.
ماذا يعني انضمام سوريا من الناحية القانونية؟
من المهم التمييز بين الانضمام إلى المدونة الدولية والتصديق على اتفاقية دولية ملزمة، إذ تصنف منظمة الأمم المتحدة للسياحة المدونة ضمن أدوات القانون غير الملزم، المعروفة بالمبادئ والتوصيات الطوعية.
ويعني ذلك أن الانضمام لا ينشئ تلقائياً التزامات قانونية دولية ملزمة لسوريا، ولا يؤدي بصورة مباشرة إلى تعديل التشريعات الوطنية أو منح السياح حقوقاً قضائية جديدة قابلة للتنفيذ استناداً إلى المدونة وحدها.
ويمكن للدول اعتماد مبادئ المدونة بصورة كاملة أو جزئية، والعمل على إدماجها في السياسات والتشريعات والإجراءات التنظيمية بحسب أنظمتها القانونية واحتياجاتها.
وتتيح هذه المرونة للدولة مراجعة القوانين القائمة وتحديد المجالات التي تحتاج إلى تطوير، سواء في حماية المستهلك السياحي أو تنظيم العلاقة بين شركات السفر والفنادق والزوار.
وفي المقابل، تتضمن منظومة المدونة آليات لمتابعة التطبيق وتقديم التقارير إلى منظمة الأمم المتحدة للسياحة، بما يسمح بتقييم الإجراءات المتخذة وتبادل التجارب بين الدول المنضمة.
كيف يمكن أن يستفيد السائح من هذه الخطوة؟
تظهر أهمية المدونة بالنسبة إلى المسافر في الجوانب العملية المرتبطة برحلته، بدءاً من الحصول على معلومات واضحة عن الخدمات التي يشتريها، وصولاً إلى معرفة الإجراءات المتاحة عند وقوع مشكلة أو حالة طارئة.
فعند حجز غرفة فندقية أو برنامج سياحي، تشجع المدونة على وضوح الشروط التعاقدية والمعلومات المتعلقة بالخدمة، بما يساعد على الحد من الخلافات الناجمة عن الرسوم أو الإلغاءات أو اختلاف الخدمات المقدمة عن المتفق عليه.
وفي حال وقوع كارثة طبيعية أو أزمة صحية أو تعطل واسع في حركة السفر، تقدم المدونة إرشادات للدول والجهات السياحية بشأن توفير المعلومات والمساعدة المناسبة، والتنسيق مع الجهات المختصة لتسهيل التعامل مع أوضاع المسافرين المتضررين.
كما تشجع على تطوير وسائل فعالة لتلقي الشكاوى وتسوية النزاعات، بما يتيح معالجة الخلافات دون الاضطرار دائماً إلى إجراءات قضائية طويلة.
لكن الاستفادة الفعلية من هذه المبادئ داخل سوريا ستعتمد على مدى تحويلها إلى إجراءات واضحة لدى الجهات الحكومية والمنشآت السياحية، وعلى وجود آليات يمكن للزوار استخدامها عند الحاجة
ماذا يعني الانضمام لقطاع السياحة السوري؟
على المستوى الاقتصادي، يمكن أن يوفر الانضمام مرجعية دولية تساعد المؤسسات السورية على تطوير معايير حماية السياح وتحسين جودة الخدمات، وهو ما قد يدعم جهود استعادة الثقة بالقطاع.
وتكتسب حماية المستهلك أهمية بالنسبة إلى الشركات السياحية والفنادق ومكاتب السفر، لأن وضوح شروط التعاقد والتعامل مع الشكاوى وحالات الطوارئ من العوامل التي تؤثر في تجربة الزائر وقراره بالسفر.
كما يمكن أن تساعد الاستفادة من توصيات المدونة على تطوير الإجراءات المرتبطة بالحجوزات الإلكترونية، وتحسين التواصل بين الجهات السياحية والرقابية، وتوضيح المسؤوليات عند حدوث نزاعات أو ظروف استثنائية.
وبالنسبة إلى سوريا، فإن هذه الجوانب ترتبط بالحاجة إلى تطوير الخدمات السياحية وتعزيز قدرة المؤسسات على التعامل مع الزوار وفق معايير واضحة، بالتوازي مع تحسين البنية التحتية والنقل والخدمات العامة.
وقد يسهم اعتماد ممارسات أكثر شفافية في تعزيز فرص التعاون مع الشركات والمنظمات السياحية الدولية، إلا أن النتائج الاقتصادية تبقى مرتبطة بالتطبيق الفعلي لهذه المعايير وبالعوامل الأخرى المؤثرة في حركة السفر.
هل تصبح سوريا وجهة آمنة بمجرد الانضمام؟
اعتبر سعد بارود أن الانضمام يدعم تصنيف سوريا بوصفها وجهة آمنة وموثوقة، ويساعد على تعزيز قدرتها التنافسية في الأسواق السياحية الدولية.
غير أن المدونة لا تمثل نظاماً دولياً لمنح شهادات السلامة الأمنية للدول، ولا يعني الانضمام إليها حصول سوريا تلقائياً على تصنيف سياحي جديد أو تغيير إرشادات السفر الصادرة عن الدول الأجنبية.
وتعتمد قرارات السفر والتقييمات المرتبطة بالمقاصد السياحية على عوامل متعددة، من بينها الأوضاع الأمنية، وسلامة النقل، والبنية التحتية، والخدمات الصحية، وسهولة الوصول، وجودة الخدمات السياحية.
وعليه، فإن أهمية الانضمام تكمن في تبني مرجعية دولية لحماية حقوق السياح، بينما يحتاج تعزيز الثقة الفعلية بالمقصد السياحي السوري إلى إجراءات عملية ونتائج يمكن قياسها على أرض الواقع.
ما الخطوات المطلوبة بعد الانضمام؟
توضح منظمة الأمم المتحدة للسياحة أن انضمام الدول إلى المدونة يرتبط بمتابعة تطبيق مبادئها وتقديم معلومات بشأن الإجراءات المتخذة على المستوى الوطني.
وتنص آلية المتابعة على تقديم تقرير أولي بعد عام من إشعار الانضمام، يتناول وضع تطبيق توصيات المدونة ومدى إدراجها في التشريعات والسياسات والإجراءات التنظيمية، تليه تقارير دورية بشأن التدابير المتخذة.
وبالنسبة إلى سوريا، يمكن أن تشمل الخطوات العملية مراجعة التشريعات المنظمة للعلاقة بين السائح ومقدم الخدمة، وتطوير إجراءات الشكاوى والتعويضات، وتحسين آليات المساعدة في حالات الطوارئ، وتعزيز التنسيق بين الجهات المسؤولة عن السياحة والنقل والصحة والحماية المدنية.
كما تبرز أهمية تعريف الفنادق وشركات السياحة والسفر ومقدمي الخدمات بمبادئ المدونة، وتشجيعهم على إدراج المعايير المتعلقة بحقوق المستهلك في العقود والإجراءات المعتمدة لديهم.
وتبقى هذه الإجراءات مسارات محتملة لتطبيق المدونة، إذ لم تتضمن التصريحات السورية المعلنة حتى الآن خطة تنفيذية مفصلة أو جدولاً زمنياً لتعديل التشريعات والأنظمة ذات الصلة.
بين الاعتراف الدولي والتطبيق المحلي
يمثل إعلان انضمام سوريا إلى المدونة الدولية لحماية السياح خطوة في مسار تطوير التعاون مع منظمة الأمم المتحدة للسياحة، وإدراج حماية حقوق الزوار ضمن الأطر والمعايير الدولية المعتمدة في القطاع.
وتكمن القيمة العملية للخطوة في إمكانية الاستفادة من المبادئ التي تتضمنها المدونة لتطوير التشريعات والإجراءات السياحية، وتحسين حماية المستهلك، وتعزيز استعداد المؤسسات للتعامل مع الأزمات والشكاوى والنزاعات.
يشكل الانضمام بداية لمسار مؤسساتي يمكن أن يدعم تطوير السياحة السورية، على أن يتحدد أثره الفعلي بمدى تطبيق مبادئ المدونة وتحويلها إلى ضمانات وإجراءات يستفيد منها الزوار ومقدمو الخدمات.