الشبكة السورية: محاكمات عاطف نجيب ووسيم الأسد وحسون خطوة مهمة في مسار المساءلة
أصدرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، اليوم الخميس، 22 تشرين الأول 2026، تقريراً شاملاً حول مراقبة محاكمات عاطف نجيب ووسيم بديع الأسد وأحمد بدر الدين حسون أمام محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، تناولت فيه مجريات المحاكمات الثلاث والضمانات الإجرائية التي رافقتها، إلى جانب ملاحظات تتعلق بعلنية الجلسات وحقوق الدفاع وحماية الشهود.
وأوضحت الشبكة أن التقرير يغطي جلسات المحاكمات بدءاً من الجلسة الثالثة لكل قضية وحتى صدور الأحكام في 11 و18 و24 آب الماضي، على التوالي، حيث قضت المحكمة بإعدام نجيب والأسد، وبالسجن المؤبد على حسون وأشارت إلى أن الأحكام صدرت وجاهياً بحق المتهمين، ولا تزال قابلة للطعن أمام محكمة النقض.
وقال مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن هذه المحاكمات تمثل خطوة مهمة في مسار المساءلة عن الانتهاكات الجسيمة التي ارتُكبت في سوريا، ولا سيما بعد سنوات من توثيق الانتهاكات وجمع الأدلة وحفظ شهادات الضحايا والناجين، معتبراً أن انتقال بعض الملفات إلى القضاء الوطني يفرض مسؤولية إضافية تتمثل في مراقبة المحاكمات وتقييم مدى احترامها للقانون وضمانات المحاكمة العادلة، بصورة مستقلة عن أطراف الدعوى.
وأضاف عبد الغني أن فريق الشبكة رصد خلال المحاكمات الثلاث عدداً من الإجراءات الإيجابية، شملت حضور محامي الدفاع وتقديم المذكرات والدفوع والاستماع إلى الشهود وإجراء الخبرات الفنية والطبية، فضلاً عن اتخاذ تدابير لحماية الشهود.
وفي المقابل، سجل الفريق مسائل تستدعي مزيداً من التدقيق والمعالجة، تتعلق بعلنية بعض الجلسات، ومدى تمكين الدفاع من الاطلاع على الأدلة وتقارير الخبرة في الوقت المناسب، والتوازن بين حماية الشهود وحق المتهمين في مناقشة الشهادات المقدمة ضدهم.
وشدد عبد الغني على أن وجود ضمانات المحاكمة العادلة من الناحية الشكلية لا يكفي وحده للحكم على سلامة الإجراءات، بل ينبغي تقييم مدى فعاليتها في الممارسة العملية، موضحاً أن تسجيل ملاحظة إجرائية لا يعني بالضرورة ثبوت وقوع انتهاك، وإنما يستدعي التحقق من الوقائع والظروف المحيطة بها.
وأكد أن ضمان المحاكمة العادلة للمتهمين لا يمثل تنازلاً عن حقوق الضحايا، بل يشكل جزءاً لا يتجزأ من تحقيق العدالة لهم، لافتاً إلى أن نجاح مسار المساءلة لا يُقاس بعدد أحكام الإدانة أو شدة العقوبات، وإنما بقدرة القضاء على إثبات المسؤولية الجنائية الفردية استناداً إلى أدلة موثوقة وإجراءات سليمة وأحكام معللة قابلة للمراجعة.
وأشار مدير الشبكة إلى أن بعض الأحكام تضمنت إحالات إلى توثيقات الشبكة السورية لحقوق الإنسان، معتبراً أن ذلك يؤكد أهمية العمل التوثيقي المتراكم في خدمة مسار المساءلة، لكنه لا يعني أن التوثيق الحقوقي يحل محل الإثبات القضائي، أو أن الإشارة إلى الأحكام تمثل تبنياً للتكييف القانوني الذي اعتمدته المحكمة أو للعقوبات التي أصدرتها.
وفي ما يتعلق بالقضايا الثلاث، أوضح التقرير أنها اختلفت من حيث طبيعة الأدلة والتحديات المرتبطة بإثبات الوقائع، إذ تمحورت قضية عاطف نجيب بدرجة كبيرة حول شهادات الشهود ومدى موثوقيتها، بينما جمعت قضية وسيم الأسد بين الشهادات والأدلة الطبية والأدلة المتعلقة بالمجموعات المسلحة، في حين اعتمدت قضية أحمد بدر الدين حسون بصورة أساسية على التحقق من أصالة التسجيلات السمعية والبصرية وتفسير محتواها.
وتناولت قضية نجيب، المسجلة برقم 1 لعام 2026، أحداثاً شهدتها محافظة درعا منذ آذار 2011، حين كان يتولى رئاسة فرع الأمن السياسي فيها واستعمت المحكمة خلال الجلسات اللاحقة إلى عشرات الشهود الذين تناولوا في إفاداتهم اعتقال أطفال على خلفية كتابات على الجدران وتعرضهم المزعوم للتعذيب، وإطلاق النار على المتظاهرين، والأحداث التي شهدها الجامع العمري، إضافة إلى التسلسل القيادي الذي ربط الفروع الأمنية في درعا بدمشق.
وبيّن التقرير أن شهادات الإثبات تضمنت روايات عن وقائع قال بعض الشهود إنهم عاينوها مباشرة، فيما نقل آخرون معلومات عن أطراف ثالثة، أو ذكروا أنهم لم يشاهدوا نجيب في المواقع التي تحدثوا عنها. ورفض نجيب جميع شهادات الإثبات المقدمة ضده، فيما استمعت المحكمة، بناءً على طلب الدفاع ودون اعتراض النيابة العامة، إلى شاهد عبر الاتصال المرئي قبل نجيب شهادته.
ووفقاً للتقرير، أدانت المحكمة نجيب بجرائم شملت القتل قصداً، وقتل أطفال دون سن الخامسة عشرة، والتحريض على القتل، والتعذيب المفضي إلى الموت، والحرمان من الحرية، وكيّفت هذه الأفعال بوصفها جرائم ضد الإنسانية. وقضت بإعدامه، إلى جانب فرض عقوبات إضافية عن جرائم أخرى، مع إدغام العقوبات السالبة للحرية وتطبيق العقوبة الأشد وجمع الغرامات المحكوم بها.
وأضاف التقرير أن المحكمة أصدرت أحكاماً غيابية بحق متهمين آخرين فارّين في القضية نفسها، وأوضحت أن الحكم الصادر بحق نجيب، والبالغ 396 صفحة، سينشر على الموقع الإلكتروني لوزارة العدل بعد حذف البيانات التي قد تكشف هويات الشهود المشمولين بالحماية.
أما قضية وسيم بديع الأسد، فتعلقت بتشكيل مجموعات مسلحة وإدارتها، والقتل، والابتزاز، والاتجار بالمخدرات. وأشار التقرير إلى أن أحد شهود الإثبات قدم خلال الجلسات اللاحقة شهادة تضمنت ادعاءات تتعلق بالتهديد والابتزاز، أنكرها المتهم، كما أحالت المحكمة أحد المدعين بالحق الشخصي إلى طبيب شرعي، وأُودع لاحقاً في ملف القضية تقرير طبي أثبت وجود عجز بنسبة 35 بالمئة من كامل الجسم.
وخلصت المحكمة، وفق التقرير، إلى أن الأسد شكّل مجموعتين من المقاتلين الرديفين وأشرف عليهما، وأنهما انتشرتا في منطقة المليحة بالغوطة الشرقية بين عامي 2012 و2014 تقريباً. وقضت بإعدامه عن جرائم شملت القتل العمد مع سبق الإصرار، والقتل المقترن بالتعذيب والوحشية، والحرمان من الحرية والتعذيب، في حين برأته من تهمتي تهريب المخدرات والاتجار بها لعدم كفاية الأدلة، مع الإشارة إلى إمكانية إعادة تحريك الدعوى في حال ظهور أدلة جديدة.
ولفت التقرير إلى أن المحكمة أحالت نسخة من الحكم إلى الهيئة الوطنية للمفقودين، على خلفية معلومات بشأن رفات أشخاص قيل إنها دُفنت في بساتين المليحة عام 2012، في خطوة تتصل بملف المفقودين وما يتطلبه من تحقيقات لكشف مصيرهم وتحديد المسؤوليات المرتبطة بالقضية.
ودعت الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى نشر الأحكام القضائية كاملة ومعللة، مع ضمان حماية الشهود، وتعزيز علنية المحاكمات والمراقبة المستقلة، وتمكين الدفاع من الاطلاع على الأدلة بصورة فعالة، وضمان الشفافية خلال مراحل الطعن. كما أكدت أن حقوق الضحايا لا تنتهي بصدور الأحكام الجنائية، بل تشمل كشف الحقيقة وجبر الضرر والتعويض والكشف عن مصير المفقودين، إلى جانب حفظ حقوق الضحايا الذين لم تشملهم القضايا الحالية.
وختم عبد الغني بالتأكيد أن المحاكمات الثلاث تمثل خطوة مهمة، لكنها لا تشكل نهاية مسار المساءلة، في ظل وجود أعداد كبيرة من الضحايا والانتهاكات التي لا تزال تتطلب التحقيق والملاحقة القضائية، مشدداً على ضرورة بناء مسار قضائي مستدام ومستقل ومحايد، يشمل جميع المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة وفقاً للأدلة والمسؤولية الفردية، ويسهم في ترسيخ ثقة السوريين بالقضاء وسيادة القانون.