من بانكوك إلى المؤسسات المالية العالمية
من بانكوك إلى المؤسسات المالية العالمية
● اقتصاد ١٧ أكتوبر ٢٠٢٦

من بانكوك إلى المؤسسات المالية العالمية.. تحركات سورية لجذب التمويل وتسوية الديون ودعم إعادة الإعمار

كثّفت وزارة المالية السورية تحركاتها الدولية لتعزيز التعاون الاقتصادي والمالي، واستقطاب التمويل لمشاريع إعادة الإعمار والتنمية، ومعالجة الديون المتراكمة، من خلال سلسلة اجتماعات قادها وزير المالية محمد يسر برنية، بمشاركة حاكم مصرف سورية المركزي محمد صفوت رسلان وممثلين عن وزارة الخارجية والمغتربين، انطلقت على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي في العاصمة التايلاندية بانكوك.

واستهدفت المشاركة السورية تعزيز اندماج البلاد في النظام المالي العالمي، وتوسيع العلاقات مع المؤسسات المالية الدولية والإقليمية، وتأمين التمويل الميسر، وبناء القدرات المؤسسية، وجذب الاستثمارات، إلى جانب استعراض الإصلاحات الاقتصادية والمالية والتحديات المرتبطة بالتعافي وإعادة الإعمار.

وشملت التحركات لقاءات مع مسؤولين حكوميين وممثلين عن مؤسسات مالية ومصرفية من الولايات المتحدة والسعودية وقطر والكويت وإيطاليا والنرويج وهولندا واليابان ولبنان، إضافة إلى مؤسسات الاتحاد الأوروبي وصناديق التنمية العربية والإسلامية، وأسفرت عن موافقات تمويلية وتفاهمات فنية ومباحثات بشأن اتفاقيات ومشاريع مرتقبة.

تمويل دولي يقترب من 900 مليون دولار

برزت خلال الاجتماعات موافقة الصندوق السعودي للتنمية على تمويل 6 مشاريع في سورية بقيمة 406 ملايين دولار، على شكل قروض ميسرة تشمل الكهرباء والمياه والصحة والإسكان والطوارئ والتحول الرقمي، على أن تُوقّع اتفاقياتها مع الحكومة السورية لاحقاً.

كما بحثت وزارة المالية مع البنك الدولي توسيع برنامج المنح المقدمة لسورية، بعدما بلغت قيمة المنح المخصصة من المؤسسة الدولية للتنمية 493 مليون دولار، شملت قطاعات الكهرباء والصحة والمياه والتعليم والقطاع المالي والمالية العامة.

وبذلك تبلغ القيمة الإجمالية للمنح المعلنة والقروض السعودية الموافق عليها 899 مليون دولار، مع اختلاف طبيعة التمويل بين المنح والقروض الميسرة، وعدم اكتمال توقيع اتفاقيات المشاريع السعودية بعد.

وفي سياق متصل، بحث الوزير مع رئيس مجموعة البنك الدولي أجاي بانغا والمديرة العامة لشؤون العمليات آنا بيردي إطلاق صندوق ائتماني متعدد المانحين لدعم إعادة الإعمار، وزيادة حصة سورية من المنح المقبلة، وإعداد إطار استراتيجي للشراكة طلب الجانب السوري أن يمتد لخمس سنوات.

وحظي الصندوق المقترح باهتمام قطري ونرويجي وهولندي، حيث أبدى مسؤولو الدول الثلاث استعداداً لدراسة المساهمة في دعم مشاريع التعافي عبر الصندوق، فيما تناولت المباحثات افتتاح مكتب للبنك الدولي في دمشق مع بداية عام 2027.

تسوية الديون لإعادة تنشيط التمويل

شكّلت معالجة الديون والمتأخرات المالية محوراً رئيسياً في اجتماعات وزارة المالية، بهدف تمكين المؤسسات التنموية من استئناف تمويل المشاريع داخل سورية.

وبحث برنية مع وزير الاقتصاد والمالية الإيطالي جيانكارلو جيورجيتي إمكانية مقايضة الديون السورية باستثمارات داخل البلاد، بما يشمل الالتزامات تجاه الصندوق الدولي للتنمية الزراعية «إيفاد»، فيما أبدى الجانب الإيطالي استعداداً لمناقشة الحلول المقترحة.

كما ناقشت الوزارة مع الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي والبنك الإسلامي للتنمية وصندوق النقد العربي وبنك الاستثمار الأوروبي تسوية الالتزامات المالية القائمة، من خلال حلول تشمل إعادة الجدولة بشروط ميسرة وترتيبات مالية أخرى.

وتركزت المباحثات على إعادة تفعيل التمويل التنموي، واستكمال المشاريع السابقة وصيانتها، وإطلاق مشاريع جديدة في قطاعات البنية التحتية والطاقة والصحة والنقل والصرف الصحي، إلى جانب دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.

وشملت الاجتماعات مع الصندوق العربي بحث الاستفادة من «صندوق بادر» لدعم القطاع الخاص، ومع بنك الاستثمار الأوروبي إمكانية استئناف التمويل وتقديم خدمات ائتمان الصادرات، فيما جرى بحث تسوية المتأخرات مع الوكالة اليابانية للتعاون الدولي «جايكا».

مصارف عالمية تدرس دخول السوق السورية

في مسار موازٍ، بحثت وزارة المالية مع مؤسسات مصرفية أميركية ويابانية فرص تمويل المشاريع الاستثمارية وإعادة الإعمار، وتطوير أسواق رأس المال وأدوات الدين.

وأبدى بنك أوف أمريكا اهتماماً بتمويل مشاريع البنية التحتية، سواء بشكل كامل أو بالشراكة مع مصارف أخرى، واستعداده لتقديم الاستشارات في أسواق السندات وزيارة سورية لدراسة المشاريع المتاحة.

كما ناقشت الوزارة مع مجموعة سيتي بنك تمويل مشاريع استثمارية وتطوير سوق للسندات وأدوات الدين، فيما أعرب ممثلو مجموعتي «سوميتومو ميتسوي» و«ميتسوبيشي يو إف جي» اليابانيتين عن اهتمامهم بدخول السوق السورية.

واتفق الجانبان السوري والياباني على تبادل المعلومات بشأن المشاريع القابلة للتمويل، وتنظيم اجتماعات فنية وزيارات استكشافية لدراسة فرص الاستثمار والشراكة المصرفية.

وفي مجال التجارة الخارجية، بحثت الوزارة مع المؤسسة الدولية الإسلامية لتمويل التجارة وصندوق النقد العربي والبنك الإسلامي للتنمية توفير خطوط ائتمان وتسهيلات لتمويل المستوردات الأساسية، ولا سيما المشتقات النفطية.

وشملت المباحثات تسريع ربط سورية بمنصة «بنى» للمدفوعات العربية، فيما اتُفق مع ممثلي الوكالة اليابانية للتعاون الدولي على نقل طلبات الجانب السوري إلى بنك اليابان لبحث إمكانية فتح حساب لمصرف سورية المركزي وتقديم برامج تدريب تقني.

إصلاحات مالية ودعم فني من صندوق النقد الدولي

على صعيد الإصلاح المؤسسي، بحثت وزارة المالية مع صندوق النقد الدولي تطوير الإدارة الضريبية، وتحسين إدارة الإيرادات والنفقات، وتحديث أنظمة المالية العامة والإحصاءات الحكومية، وتعزيز كفاءة إعداد الموازنات.

وكشف مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي جهاد أزعور أن عدد البعثات وأنشطة الدعم الفني وورش العمل المخصصة لسورية تجاوز 40 نشاطاً خلال عام ونصف، بينها 20 بعثة زارت دمشق، مشيداً بالتقدم المحرز في الإصلاحات الاقتصادية والمالية.

وتناولت الاجتماعات استكمال المتطلبات اللازمة لإجراء مشاورات المادة الرابعة، وإعداد خطة عمل مشتركة لبناء القدرات، وتطوير الموازنة متوسطة الأجل، والاستفادة من الذكاء الاصطناعي في الإدارة الضريبية وتحليل البيانات.

كما بحثت الوزارة مع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تطبيق الضرائب الدولية، وتعزيز الحوكمة وتطوير أسواق المال، فيما ناقشت مع معهد تنمية القدرات في صندوق النقد الدولي تنظيم برامج تدريبية في دمشق، وزيادة مشاركة الكوادر السورية في دورات الصندوق.

وشهدت الاجتماعات الإعلان عن عودة سورية إلى المجموعة العربية في صندوق النقد الدولي اعتباراً من الأول من تشرين الثاني 2026، بعد وجودها ضمن مجموعة الاتحاد الروسي منذ عام 2012.

وفي إطار العلاقات المالية مع الولايات المتحدة، بحث برنية وحاكم المصرف المركزي مع مسؤولين في وزارة الخزانة الأميركية تعزيز النزاهة المالية ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ومتابعة نتائج اجتماعات سابقة في نيويورك، حيث أشاد الجانب الأميركي بالتقدم في الإصلاحات المالية، واتفق الطرفان على تكثيف التعاون.

خطوات للانضمام إلى المؤسسات الدولية وضمان الاستثمارات

شهدت الاجتماعات تسليم الطلب الرسمي لانضمام سورية إلى البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، خلال لقاء جمع برنية ورسلان برئيسة البنك أوديل رينو باسو.

وبحث الجانبان استكمال إجراءات العضوية، وتمويل القطاع الخاص ومشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وسط توقعات بمباشرة البنك عملياته التمويلية في سورية خلال النصف الأول من عام 2027.

كما ناقشت وزارة المالية مع مؤسسة التمويل الدولية تمويل مشاريع في قطاعات النقل والطاقة والزراعة والأمن الغذائي، ودعم شركات القطاع المشترك، إلى جانب خطط إعادة هيكلة المصارف الحكومية وإصدار سندات للمغتربين السوريين.

وفي ملف ضمان الاستثمارات، بحثت الوزارة مع الوكالة الدولية متعددة الأطراف لضمان الاستثمار «MIGA» تسريع بدء تقديم خدمات ضمان المخاطر للمستثمرين، حيث أبدت الوكالة استعدادها للشروع في الدراسات والتحضيرات اللازمة لتفعيل خدماتها في سورية.

مشاريع تنموية مرتبطة بمبادرة «سورية بلا مخيمات»

برزت مبادرة «سورية بلا مخيمات» ضمن أولويات وزارة المالية خلال اجتماعاتها مع الصندوق السعودي للتنمية والبنك الدولي والنرويج والوكالة اليابانية للتعاون الدولي.

وركزت المباحثات على توجيه التمويل نحو مشاريع متكاملة تشمل قطاعات الإسكان والصحة والتعليم والمياه والزراعة وتحسين سبل العيش، بهدف تهيئة الظروف المناسبة لعودة النازحين من المخيمات.

وأبدى رئيس مجموعة البنك الدولي اهتماماً بدعم المبادرة عبر المشاريع القائمة والمستقبلية، فيما اتُفق مع الوكالة اليابانية على مشاركة خطط المبادرة والمناطق والقطاعات ذات الأولوية، تمهيداً لبحث فرص المساهمة فيها.

كما ناقشت الوزارة مع النرويج دعم تحقيق التغطية الصحية الشاملة بحلول عام 2030، والاستفادة من الخبرات النرويجية في إدارة الضرائب والتحول الرقمي وأنظمة التقاعد.

وفي إطار التعاون مع قطر والنرويج والبنك الإسلامي للتنمية، جرى بحث استراتيجية مكافحة الفقر التي تعدّها الحكومة السورية، والبرامج المرتبطة بتحسين سبل العيش.

أما مع هولندا، فتركز التعاون المطروح على تطوير قطاع الزراعة والتقنيات الزراعية الحديثة، وبناء القدرات ونقل المعرفة، فيما أكد الجانب الهولندي العمل على إعداد دعم فني وتقني للقطاع خلال الأشهر المقبلة.

وفي جانب التعاون الإقليمي، اتفقت سورية ولبنان على تشكيل فريق فني مشترك يضم ممثلين عن وزارتي المالية والمصرفين المركزيين، لدراسة التحديات المالية والمصرفية القائمة، وإيجاد حلول تدعم العلاقات التجارية والاستثمارية بين البلدين.

من التفاهمات إلى التنفيذ

تعكس حصيلة الاجتماعات توجهاً لدى وزارة المالية لتوسيع مصادر التمويل وإعادة ربط المؤسسات السورية بالنظام المالي الدولي، بالتوازي مع معالجة الالتزامات السابقة وتطوير البيئة التنظيمية والمصرفية اللازمة لاستقطاب الاستثمارات.

وبينما حققت بعض المسارات نتائج محددة، أبرزها المنح المخصصة لسورية بقيمة 493 مليون دولار، والموافقة السعودية على قروض بقيمة 406 ملايين دولار، وتقديم طلب الانضمام إلى البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، لا تزال ملفات أخرى في مراحل التفاوض والتحضير.

وتشمل هذه الملفات تسوية الديون والمتأخرات، وتفعيل خطوط الائتمان وضمانات الاستثمار، ودخول المصارف الأجنبية إلى السوق السورية، وإطلاق الصندوق الائتماني متعدد المانحين، واستكمال الترتيبات اللازمة لتمويل مشاريع جديدة.

ويبقى توقيع اتفاقيات التمويل وبدء تنفيذ المشاريع واستكمال التسويات والإجراءات المصرفية والمؤسسية الخطوة الأساسية لتحويل نتائج الاجتماعات إلى مشاريع وخدمات واستثمارات فعلية، في ظل استمرار اللقاءات مع الشركاء الدوليين واحتمال الإعلان عن تفاهمات جديدة خلال المرحلة المقبلة.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ