تقرير دولي يرصد تحولات الاقتصاد السوري وخطط إعادة الإعمار
تقرير دولي يرصد تحولات الاقتصاد السوري وخطط إعادة الإعمار
● اقتصاد ٢٣ أكتوبر ٢٠٢٦

تقرير دولي يرصد تحولات الاقتصاد السوري وخطط إعادة الإعمار بمشاركة الرئيس الشرع ومسؤولين ومستثمرين

أصدرت مجموعة أكسفورد للأعمال تقريرها الاقتصادي «سوريا 2026»، الذي يستعرض واقع الاقتصاد السوري وفرص إعادة الإعمار والإصلاحات المالية والمصرفية والاستثمارية، مستنداً إلى مقابلات مع وزراء ومسؤولين حكوميين وممثلي شركات دولية، إلى جانب رؤية قدمها الرئيس السوري أحمد الشرع بشأن أولويات التعافي وإعادة بناء المؤسسات والبنية التحتية.

وتناول التقرير التحديات الاقتصادية التي تواجه سوريا بعد سنوات من الحرب، مشيراً إلى انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنحو 53% بين عامي 2010 و2022، فيما قدر البنك الدولي احتياجات إعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار، أي ما يقارب 10 أضعاف الناتج المحلي الإجمالي التقديري للبلاد في عام 2024.

ويغطي الإصدار قطاعات الاقتصاد والمصارف والأسواق المالية والتأمين والطاقة والنقل والبناء والعقارات والصناعة والاتصالات والزراعة والتعليم والصحة، مع التركيز على استعادة العلاقات الاقتصادية الدولية وتحسين بيئة الأعمال واستقطاب الاستثمارات.

الرئيس الشرع يستعرض أولويات إعادة الإعمار والخدمات

وأكد الرئيس السوري أحمد الشرع، في مادة نشرها التقرير ضمن قسم «وجهات النظر»، أن إعادة الإعمار ترتبط باستعادة الخدمات الأساسية وتحسين الظروف المعيشية وتعزيز قدرة مؤسسات الدولة على تلبية احتياجات المواطنين.

وأوضح الشرع أن الموازنة التقديرية لعام 2026 تبلغ 10.5 مليارات دولار، مشيراً إلى خطة لتخصيص ما لا يقل عن 3 مليارات دولار لإعادة تأهيل البنية التحتية في المجتمعات الريفية المدمرة، بتمويل من الإنفاق العام بدلاً من المساعدات والقروض.

وأشار إلى إقرار حد أدنى جديد للأجور وزيادة عامة بنسبة 50% لرواتب وأجور العاملين في القطاع العام، ضمن الإجراءات الرامية إلى تحسين الظروف المعيشية.

وتناول الرئيس الشرع نموذجاً استثمارياً قيد الدراسة لإعادة بناء المناطق التي وصلت فيها نسب الدمار إلى ما بين 90 و100%، يقوم على منح أصحاب المنازل شققاً جديدة بمساحات تعادل مساكنهم المفقودة، مع إشراك المستثمرين في تطوير مناطق عمرانية تتضمن الخدمات والبنية التحتية.

كما أشار إلى إصلاحات تسمح بالملكية الأجنبية الكاملة للمشاريع الاستثمارية، وإلغاء اشتراط وجود شريك محلي، مع التأكيد على أهمية توفير فرص العمل للكوادر السورية.

وتحدث الشرع عن خطط تنموية تشمل محافظات دير الزور والحسكة والرقة، من بينها تطوير مطار دير الزور، ومقترح لإنشاء مدينة صناعية للصناعات الغذائية والبتروكيماوية، ومستشفى للأورام بتكلفة تقديرية تبلغ نحو 21 مليون دولار.

وشدد على ضرورة الترابط بين مشاريع الطاقة والمياه والنقل والإسكان والصناعة والتعليم والصحة، بما يضمن استفادة مختلف المحافظات من برامج التعافي الاقتصادي.

إصلاح المالية العامة والمصارف ضمن استراتيجية تمتد إلى 2030

واستعرض وزير المالية محمد يسر برنية، في مقابلة مع مجموعة أكسفورد للأعمال، استراتيجية الوزارة للأعوام 2026–2030، التي ترتكز على تحسين إدارة المالية العامة وإصلاح القطاع المالي وتعزيز النمو الاقتصادي.

وأوضح برنية أن الوزارة تعمل على تطوير بنيتها التنظيمية، بما يشمل الهيئة العامة للضرائب ومديريات المالية ونظام إدارة المالية العامة، إلى جانب إنشاء وحدة متخصصة بالتحليل الاقتصادي والمالي والتخطيط متوسط الأجل.

وأشار إلى نشر موازنة المواطن لعام 2026 وتقرير أداء الموازنة لمنتصف العام، بهدف توفير معلومات أوسع بشأن تخطيط الموارد العامة وإدارتها، بالتوازي مع مناقشة مشاريع إصلاحات وتشريعات ضريبية مع مجتمع الأعمال.

وتحدث برنية عن مواصلة إصلاح منظومة الأجور والرواتب، بما يشمل إجراءات موجهة لقطاعات القضاء والتعليم والصحة، إضافة إلى اعتماد سياسة للنزاهة وإنشاء إدارة للتحول الرقمي في وزارة المالية.

كما أشار إلى التعاون مع البنك الدولي لتنفيذ مشروع معتمد لإدارة المالية العامة، وتعزيز التواصل مع صندوق النقد الدولي وشركاء التنمية، في ظل التحديات المتعلقة بالفقر والبطالة وتضرر البنية التحتية وضعف القدرات الإنتاجية.

وأكد أن الوزارة تعمل مع الجهات المختصة على تطوير إطار شفاف لإدارة إيرادات النفط والغاز، بالتوازي مع إصلاح المصارف العامة ومعالجة القروض المتعثرة وتطوير أسواق رأس المال وتحسين إدارة الدين العام.

حاكم مصرف سوريا المركزي يستعرض أولويات الاستقرار النقدي وإصلاح القطاع المصرفي

وفي مقابلة منفصلة، تناول حاكم مصرف سوريا المركزي محمد صفوت رسلان أولويات استعادة الاستقرار النقدي والمالي، مؤكداً أهمية الحد من التمويل النقدي لعجز الموازنة وتحسين إدارة السيولة وتعزيز الثقة بالمؤسسات المصرفية.

وأشار رسلان إلى أن استعادة الدور الطبيعي للمصارف تتطلب تطوير الخدمات المصرفية وأنظمة الدفع وحماية المودعين، مع معالجة القيود الاستثنائية المفروضة على السحوبات بصورة تدريجية تراعي أوضاع السيولة والاستقرار المالي.

وأوضح أن المصرف المركزي يعمل على تعزيز الرقابة المصرفية وتطوير الأطر المتعلقة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتنظيم سوق الصرف ومزودي خدمات الدفع، باعتبارها من المتطلبات الضرورية لاستعادة العلاقات مع المؤسسات المالية الدولية.

ونقل رسلان تقديرات صندوق النقد الدولي التي تتوقع تحقيق الاقتصاد السوري نمواً من خانتين خلال عام 2026، مدعوماً بتحسن قطاعات الزراعة والطاقة والكهرباء والتجارة والخدمات وعودة اللاجئين وزيادة نشاط الزوار، مع استمرار التفاوت في وتيرة التعافي بين القطاعات.

وتطرق التقرير إلى أوضاع القطاع المصرفي السوري، مشيراً إلى أن تخفيف القيود الاقتصادية الخارجية واستئناف الاتصال بشبكة سويفت يتيحان فرصاً لإعادة بناء العلاقات المصرفية، فيما تظل السيولة وجودة الأصول وثقة المودعين ومتطلبات الامتثال المالي من أبرز التحديات.

كما تناول تطورات سوق دمشق للأوراق المالية، مشيراً إلى ارتفاع قيمتها السوقية من نحو 3 تريليونات ليرة سورية عام 2021 إلى نحو 25 تريليون ليرة بنهاية عام 2025، وفق البيانات الواردة في التقرير.

مشاريع الاتصالات وميناء طرطوس تستقطب استثمارات طويلة الأجل

وكشف وزير الاتصالات وتقانة المعلومات عبد السلام هيكل، في مقابلة ضمن التقرير، عن تفاصيل مشاريع تستهدف تطوير البنية التحتية الرقمية وتوسيع خدمات الإنترنت والاتصالات.

وأوضح هيكل أن مشروع «سيلك لينك»، بالتعاون مع مجموعة الاتصالات السعودية، تبلغ قيمته 800 مليون دولار، ويشمل إنشاء شبكة وطنية للألياف الضوئية وحلقات اتصال داخل المدن ومراكز بيانات وروابط دولية.

وأشار إلى أن المشروع يستهدف إنشاء ممر اتصالات يمتد من البحر المتوسط عبر سوريا والأردن إلى السعودية، لتوفير مسار إضافي بين أوروبا وآسيا، مع إمكانية تقليل زمن انتقال البيانات بنحو 30 ميلي ثانية على بعض المسارات.

وتحدث هيكل عن التزام استثماري بقيمة 747 مليون دولار من شركة زين، مرتبط بترخيص يمتد 20 عاماً، بهدف تطوير خدمات الاتصالات المتنقلة وتحسين التغطية وجودة الخدمة.

كما أوضح أن برنامج «برق» لتوسيع شبكات الألياف الضوئية إلى المنازل يجري العمل عليه، بالتوازي مع نشر خدمات الاتصال اللاسلكي الثابت التي تستهدف 3 ملايين منزل.

وأشار إلى خطط لتطوير بنية تحتية مشتركة تشمل نحو 6000 موقع لأبراج الاتصالات، مع بقاء مشروع الشركة المتخصصة بإدارة الأبراج في مرحلة التخطيط، إضافة إلى تطوير الهوية الرقمية والمنصات الحكومية المشتركة والبنية السحابية والخدمات البريدية.

وفي قطاع النقل، استعرض الرئيس التنفيذي لشركة موانئ دبي العالمية في طرطوس فهد البنا خطة الشركة لاستثمار 800 مليون دولار على مدى فترة امتياز تبلغ 30 عاماً، بهدف تطوير ميناء طرطوس وتحسين قدرته التشغيلية.

وأوضح البنا أن البرنامج يشمل إعادة تأهيل الأرصفة وتعميق حوض الميناء وتحديث معدات مناولة البضائع والأنظمة الرقمية وتطوير الكوادر العاملة.

وأشار إلى خطط لتوريد 9 رافعات مينائية متنقلة خفيفة خلال عام 2027 وبداية عام 2028، إضافة إلى رافعة رصيف جديدة مخطط لها في عام 2028، مع استهداف استكمال إعادة تأهيل جدران الأرصفة بحلول نهاية عام 2027.

وأكد أهمية ربط الميناء بشبكات النقل والطرق والمراكز اللوجستية لتحسين حركة التجارة وتقليل تكاليف نقل البضائع.

المستثمرون يركزون على الطاقة والنقل والصناعة

وتناول رئيس مجلس إدارة شركة باور إنترناشونال القابضة معتز الخياط، في مقابلة مع المجموعة، الفرص الاستثمارية المتاحة في سوريا، ولا سيما في مشاريع البنية التحتية والطاقة والنقل والخدمات اللوجستية.

واعتبر الخياط أن الموقع الجغرافي لسوريا ومواردها البشرية وصلاتها الإقليمية توفر مقومات للاستثمارات طويلة الأجل، مشيراً إلى أن أبرز التحديات تتعلق بتضرر البنية التحتية وصعوبة التمويل والحاجة إلى أطر قانونية وتنظيمية أكثر وضوحاً.

وشدد على أهمية تطوير الشراكات بين القطاعين العام والخاص وتعزيز حماية الاستثمارات، بما يسمح بتنفيذ مشاريع كبيرة بمشاركة المؤسسات الحكومية والمستثمرين وشركاء التنمية.

وأشار إلى أن الأولويات خلال العامين أو الأعوام الثلاثة المقبلة ينبغي أن تشمل توليد الطاقة والبنية التحتية للنقل والأمن الغذائي والإنتاج الزراعي، قبل التوسع في تطوير المدن والمناطق الصناعية والمراكز اللوجستية.

وفي القطاع الصناعي، تناول التقرير التحديات التي تواجه إعادة تشغيل المصانع واستعادة سلاسل التوريد وتوفير الكهرباء والتمويل والمعدات والمواد الأولية.

وضم الفصل الصناعي مقابلات مع الرئيس التنفيذي لشركة سيمنس الشرق الأوسط هيلموت فون شتروفه، ونائب رئيس مجموعة نحاس هادي نحاس، والمدير الإداري لشركة بحري فارما جوزيف بحري، والرئيس التنفيذي لمجموعة السخني للمعادن عمر السخني، إلى جانب شخصيات اقتصادية وصناعية أخرى.

وأكد هيلموت فون شتروفه أهمية استعادة موثوقية منظومة الكهرباء، باعتبارها من المتطلبات الأساسية لإعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية والخدمية.

وفي قطاع الصناعات الدوائية، أشار جوزيف بحري إلى وجود نحو 90 منشأة دوائية مرخصة في سوريا، تعمل منها قرابة 60 إلى 70 منشأة بالإنتاج، وفق تقديراته الواردة في المقابلة.

كما تناول التقرير أوضاع قطاع البناء والعقارات، مشيراً إلى أن عدداً من المشاريع الاستثمارية ما يزال في مرحلة مذكرات التفاهم، وأن تحويلها إلى مشاريع ممولة وقابلة للتنفيذ يعتمد على توفير التمويل والمواد الإنشائية والقدرات التنفيذية وحل المسائل المتعلقة بالأراضي والتراخيص والخدمات.

واستعرض التقرير أيضاً احتياجات قطاعات الطاقة والزراعة والتعليم والصحة والتأمين، مع الإشارة إلى فرص إعادة تأهيل الحقول النفطية وشبكات النقل والمرافق العامة، ودعم المزارعين وإصلاح البنية التحتية الزراعية المتضررة، وتوسيع استخدام التقنيات الرقمية في الخدمات التعليمية والصحية.

وزير المالية يرحب بالتقرير ويدعو إلى توسيع التعاون البحثي الدولي

ورحّب وزير المالية محمد يسر برنية بإطلاق تقرير «سوريا 2026»، معتبراً أنه يقدم مساهمة مهمة في فهم التحولات الاقتصادية التي تشهدها البلاد والتحديات والفرص المتاحة خلال مرحلة التعافي.

وأعرب برنية عن تقديره لجهود مجموعة أكسفورد للأعمال في توفير معلومات وتحليلات موجهة للجمهور الدولي بشأن الاقتصاد السوري والإصلاحات الجارية والمناخ الاستثماري والإمكانات المستقبلية.

وأكد أن استمرار التعافي الاقتصادي وإعادة اندماج سوريا في الاقتصاد العالمي يتطلبان توفير معلومات موثوقة ومستقلة وشاملة، داعياً منظمات الأعمال الدولية ومراكز الأبحاث والجامعات والمؤسسات الأكاديمية إلى توسيع دراساتها وتعاونها مع المؤسسات السورية.

وأوضح أن التقييمات المستقلة تساعد في سد الفجوات المعلوماتية وتعزيز الحوار الاقتصادي ورفع مستوى الثقة لدى المستثمرين الدوليين وصناع السياسات وشركاء التنمية.

وتكتسب هذه التقارير أهمية بالنسبة إلى الشركات والمؤسسات المالية الراغبة في دراسة السوق السورية، نظراً لما توفره من معلومات عن الأوضاع الاقتصادية والقطاعات الاستثمارية والمخاطر والتحديات التنظيمية.

ويبرز التقرير فرصاً واسعة لإعادة الإعمار واستعادة النشاط الاقتصادي، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى استمرار تحديات التمويل والسيولة المصرفية وضعف البنية التحتية والحاجة إلى تحسين البيئة التنظيمية، فضلاً عن الفجوة القائمة بين الاهتمام الاستثماري وتحويل المشاريع المعلنة إلى أعمال منفذة.

وتظل الأرقام الخاصة بالمشاريع والالتزامات الاستثمارية الواردة في المقابلات مرتبطة بمراحل تنفيذ وفترات زمنية مختلفة، ولا تمثل بالضرورة إنفاقاً تحقق بالكامل حتى تاريخ نشر التقرير.

 

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ