تخفيض الرسوم الجمركية في سوريا.. خبراء يوضحون تأثيرها المحتمل على الإنتاج والأسعار
أعاد صدور المرسوم رقم (188) لعام 2026، المتعلق بتعديل عدد من بنود التعريفة الجمركية في سوريا، طرح تساؤلات حول دور السياسة الجمركية في تخفيف تكاليف الإنتاج وتشجيع الاستثمار، ومدى انعكاس التخفيضات الجديدة على أسعار التجهيزات والمنتجات في الأسواق المحلية، في ظل التحديات المالية والتشغيلية التي تواجه المنشآت الاقتصادية.
وتستهدف التعديلات أصنافاً محددة من التجهيزات الطبية ومعدات الطاقة المتجددة وأجزاء الآلات الصناعية ومستلزمات الإنتاج، بما يتيح تخفيف بعض الأعباء المرتبطة باستيرادها، ويفتح المجال أمام المنشآت المستفيدة لتحديث تجهيزاتها وتطوير نشاطها، مع استمرار الحاجة إلى تحقيق توازن بين تسهيل الاستيراد وحماية المنتجات المحلية.
وفي تصريحات خاصة لشبكة شام الإخبارية، تناول الخبير الإداري والمصرفي الدكتور حسام إبراهيم والمحلل الاقتصادي رضوان الدبس الأهداف الاقتصادية للمرسوم وانعكاساته المحتملة على الإنتاج والاستثمار والأسعار، فيما أوضحت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية طبيعة التعديلات والقطاعات المستهدفة وشروط تطبيقها.
حسام إبراهيم: التخفيضات تستهدف تخفيف تكاليف الاستثمار
قال الخبير الإداري والمصرفي الدكتور حسام إبراهيم، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن مراجعة التعريفة الجمركية بعد فترة قصيرة من اعتمادها تعكس إمكانية التعامل معها بوصفها أداة اقتصادية قابلة للتعديل استجابة لاحتياجات القطاعات الإنتاجية والاستثمارية.
وأوضح أن التخفيضات تستهدف بصورة رئيسية الصناعيين والمستثمرين، من خلال تخفيف الرسوم على أجزاء الآلات والتجهيزات الطبية ومعدات الطاقة المتجددة، بما فيها المولدات والمحولات والكابلات، الأمر الذي قد يسهم في تقليل تكلفة تأمين هذه المستلزمات.
وأشار إلى أن أهمية تخفيض الرسوم على تجهيزات الطاقة البديلة ترتبط بالتحديات التي تواجه المنشآت الإنتاجية، وفي مقدمتها ارتفاع تكاليف الكهرباء ومحدودية توافر المازوت، إلى جانب المنافسة بين المنتجات المحلية والمستوردة.
وبيّن أن تخفيف الأعباء المالية لاستيراد هذه التجهيزات قد يساعد المنشآت على الاستثمار في مصادر طاقة بديلة، وتقليل جزء من تكاليف التشغيل، بما يدعم استمرار العملية الإنتاجية ويحسن قدرتها على المنافسة.
وشدد إبراهيم على ضرورة تحقيق توازن بين الرسوم المفروضة على الآلات وقطع الغيار ومدخلات الإنتاج، وتلك المفروضة على السلع الجاهزة المنافسة للمنتج المحلي، بما يتيح للصناعات الوطنية الحصول على احتياجاتها بتكاليف مناسبة دون إضعاف قدرتها التنافسية.
وتوقع أن تسهم التعديلات في زيادة استيراد الآلات والتجهيزات المشمولة بالتخفيضات، دون أن تؤدي بالضرورة إلى تغير مماثل في حجم استيراد السلع الاستهلاكية، نظراً إلى اقتصارها على أصناف محددة وشروط تطبيقية خاصة.
لكنه أكد أن تخفيض الرسوم الجمركية لا يعالج بمفرده جميع العقبات التي تواجه الاستثمار، إذ لا تزال المنشآت تعاني من تحديات تتعلق بالتمويل وسعر الصرف وتكاليف النقل والإجراءات الإدارية.
هل تنخفض الأسعار بعد تعديل الرسوم؟
استبعد إبراهيم أن يلمس المواطن انخفاضاً سريعاً في أسعار المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية الأساسية نتيجة المرسوم، موضحاً أن التخفيضات لا تشمل هذه المنتجات على نطاق واسع.
وأشار إلى أن الأثر المحتمل قد يظهر تدريجياً في أسعار بعض منظومات الطاقة الشمسية والتجهيزات الطبية، بينما يمكن أن ينعكس بصورة غير مباشرة على أسعار المنتجات المحلية في حال استفادت المنشآت من انخفاض تكاليف الإنتاج.
وحذر من احتمال احتفاظ بعض الوسطاء والتجار بالمكاسب الناتجة عن تخفيض الرسوم، دون تمريرها إلى المستهلكين، ما يستدعي متابعة الأسعار والتحقق من انعكاس التعديلات على السوق.
وأكد أهمية نشر جداول واضحة تبين الرسوم السابقة والجديدة لكل بند، بما يسمح للتجار والصناعيين والمستهلكين بمعرفة حجم التخفيضات وتقييم نتائجها.
ودعا إلى مراقبة أسعار الألواح الشمسية والبطاريات والتجهيزات الطبية قبل تطبيق المرسوم وبعده، والتحقق من الاستخدام الفعلي للبضائع المشمولة بشروط خاصة، منعاً لاستغلال التخفيضات في استيراد سلع غير مستهدفة.
كما شدد على ضرورة تعزيز المنافسة والحد من احتكار استيراد التجهيزات المشمولة، والتعاون مع غرف الصناعة والتجارة لتقييم نتائج التعديلات بعد مرور فترة على تنفيذها.
رضوان الدبس: التعريفة الجمركية أداة لدعم النشاط الاقتصادي
من جانبه، قال المحلل الاقتصادي رضوان الدبس، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن التعريفة الجمركية تؤدي وظائف اقتصادية تتجاوز تحصيل الإيرادات العامة، إذ تستخدم لتنظيم الاستيراد والتأثير في تكاليف الإنتاج وتحفيز الاستثمار، إلى جانب حماية المنتج المحلي.
وأوضح أن أهمية التعديلات الحالية تبرز في ظل الحاجة إلى إعادة تشغيل المنشآت الصناعية وتحديث خطوط الإنتاج وتخفيف تكاليف الطاقة وتحسين الخدمات الصحية، وهي قطاعات تعتمد في جانب من احتياجاتها على تجهيزات ومكونات مستوردة لا تتوافر لبعضها بدائل محلية مناسبة.
وأشار إلى أن تخفيض الرسوم على الآلات وقطع الغيار ومستلزمات الإنتاج قد يساعد المنشآت على تقليل تكاليفها وتحسين قدرتها التنافسية، ويشجع على تحديث التجهيزات وتوسيع المشروعات القائمة وإقامة استثمارات جديدة.
وأضاف أن تخفيف الرسوم على معدات الطاقة المتجددة يمكن أن يقلل التكلفة الأولية لإنشاء مشروعات التوليد، ويساعد المنشآت على تقليل اعتمادها على مصادر الطاقة الأعلى تكلفة، بما ينعكس على أعباء التشغيل في القطاعات الإنتاجية.
كما لفت إلى أن تخفيض الرسوم على بعض الأجهزة الطبية قد يسهم في تقليل تكلفة تأمين التجهيزات اللازمة للمؤسسات الصحية، ويساعد على تطوير الخدمات المرتبطة بها.
وأكد الدبس أن تعديل التعريفة لا يعني فتح الاستيراد على نطاق واسع أو خفض الرسوم على جميع البضائع، وإنما يهدف إلى تيسير استيراد أصناف محددة من التجهيزات ومدخلات الإنتاج، مع الإبقاء على حماية مناسبة للمنتجات المحلية القادرة على المنافسة.
وحذر من أن الفائدة الاقتصادية للتخفيضات ستبقى محدودة إذا اقتصرت على زيادة أرباح المستوردين، دون أن تسهم في تحسين النشاط الإنتاجي أو توسيع الاستثمارات.
المنافسة وتكاليف الاستيراد تحددان أثر التخفيضات
أوضح الدبس أن انخفاض الرسوم الجمركية قد يسهم في خفض أسعار بعض السلع المستوردة، إلا أن النتيجة النهائية تتأثر بعوامل متعددة، تشمل سعر الصرف وأجور الشحن والتخزين والتمويل وهوامش الربح ومستوى المنافسة في السوق.
وبيّن أن أثر التخفيضات قد يظهر بصورة غير مباشرة عندما تتمكن المنشآت المحلية من استيراد الآلات وقطع الغيار ومكونات الإنتاج بتكاليف أقل، ما يساعدها على تخفيض تكلفة منتجاتها أو الحد من ارتفاع أسعارها.
وفي المقابل، أشار إلى أن الأسعار قد تبقى على حالها أو ترتفع رغم تخفيض الرسوم، إذا تراجعت قيمة العملة أو ازدادت تكاليف النقل والطاقة، أو تركز الاستيراد والتوزيع في أيدي عدد محدود من الجهات.
وشدد على ضرورة عدم المبالغة في تقدير الأثر المباشر للمرسوم على تكاليف المعيشة، خصوصاً أن التخفيضات تركز على تجهيزات ومستلزمات إنتاج محددة، ولا تشمل المواد الغذائية والاستهلاكية الأساسية بصورة واسعة.
ودعا إلى نشر جدول تفصيلي للرسوم السابقة والجديدة وشروط الاستفادة، ومقارنة الأسعار قبل تطبيق التعديلات وبعدها، مع مراعاة تغير تكاليف الاستيراد والعوامل المؤثرة في السوق.
كما أكد أهمية تعزيز المنافسة ومنع الاحتكار، ونشر مؤشرات دورية توضح تطور أسعار التجهيزات وتكاليف الإنتاج، ومراجعة السياسة الجمركية بصورة منتظمة بما يحقق التوازن بين دعم الصناعة الوطنية وحماية المستهلك.
هيئة المنافذ والجمارك توضح أهداف المرسوم
وفي توضيح رسمي، قال مدير إدارة العلاقات والتعاون الدولي في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية، مازن علوش، إن المرسوم رقم (188) لعام 2026 يأتي ضمن توجه لتطوير السياسة الجمركية ودعم الإنتاج الوطني، من خلال تخفيض الرسوم على مستلزمات مشروعات الطاقة المتجددة والتجهيزات الطبية وأجزاء الآلات الصناعية.
وأوضح علوش، في تصريح لوكالة سانا، أن التعديلات شملت مراجعة التوصيف والترميز ومعدلات الرسوم والشروط التطبيقية لعدد من البنود الجمركية، بما يراعي احتياجات القطاعات الاقتصادية المختلفة ويشجع الاستثمار.
وأشار إلى أن التخفيضات تضمنت تجهيزات كهربائية ومولدات ومحولات وكابلات وأجهزة تحكم مرتبطة بمشروعات الطاقة المتجددة، بهدف تخفيف الأعباء المالية على المستثمرين وتوفير ظروف أكثر ملاءمة لإقامة المشروعات والتوسع فيها.
وبيّن أن ارتفاع أسعار الطاقة وما يفرضه من تكاليف على المنشآت الصناعية والقطاعات الإنتاجية يعزز الحاجة إلى تشجيع الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة، لافتاً إلى أن التعديلات شملت أيضاً معدات ومكونات مخصصة لمشروعات توليد الطاقة من الرياح.
وعلى صعيد القطاع الصناعي، أوضح علوش أن المرسوم تضمن تخفيضات على أجزاء آلات ومستلزمات إنتاج، بما يساعد المنشآت المستفيدة على تخفيف تكاليفها وتحديث خطوط إنتاجها والتوسع في نشاطها.
كما أكد أن التعديلات راعت احتياجات القطاع الصحي، من خلال تخفيض الرسوم على بعض التجهيزات الطبية المحددة، بما قد يسهم في تقليل تكلفة تأمينها.
وشدد على أن التخفيضات لم تشمل جميع البضائع، وإنما استهدفت أصنافاً محددة، مع الإبقاء على شروط تطبيقية خاصة لبعضها لضمان استخدامها في الأغراض المخصصة لها.
وأشار إلى أن إدارة الجمارك العامة تواصل متابعة تنفيذ التعديلات والتحقق من الالتزام بشروطها ورصد آثارها العملية على القطاعات المستفيدة.
وكان الرئيس أحمد الشرع أصدر المرسوم رقم (188) لعام 2026، القاضي بتعديل بعض بنود جدول التعريفة الجمركية المتناسقة المعتمد بموجب المرسوم رقم (110) لعام 2026، من حيث التوصيف والترميز ومعدلات الرسوم والشروط التطبيقية.
نتائج المرسوم مرتبطة بالتطبيق والرقابة
تتقاطع آراء الخبيرين عند أن تخفيض الرسوم الجمركية يمكن أن يسهم في تخفيف بعض الأعباء عن المنشآت الصناعية وتشجيع الاستثمار، إلا أن أثره الفعلي يتوقف على قدرة القطاعات المستفيدة على توظيف هذه التخفيضات في تطوير الإنتاج وتقليل تكاليف التشغيل.
كما يرتبط انتقال فوائد التخفيضات إلى المستهلكين بمستوى المنافسة في الأسواق، وتكاليف الاستيراد والتوزيع، ومدى فاعلية الرقابة في منع الاحتكار وضمان الالتزام بالشروط التطبيقية.
وتبرز في هذا السياق أهمية نشر تفاصيل الرسوم بصورة واضحة، ومراقبة أسعار التجهيزات المشمولة، وقياس التغيرات في تكاليف الإنتاج والاستثمار، بما يسمح بتقييم النتائج الاقتصادية للمرسوم بعد بدء تطبيقه.
وتبقى قدرة التعديلات الجمركية على دعم الاقتصاد السوري مرتبطة بتحقيق توازن بين تسهيل استيراد مستلزمات الإنتاج وحماية الصناعات الوطنية، وضمان انعكاس التحسن في تكاليف التشغيل على النشاط الاقتصادي والأسواق المحلية.