من فضاء الطغيان إلى فضاء الحرية

26.تشرين2.2014

ككل الطغاة عبر التاريخ القريب والبعيد، عمل حافظ الأسد منذ انقلابه على زملائه البعثيين قيادة صلاح جديد16/10/1970، بما أطلق عليه إعلامه المبرمج والمدروس بعناية، «الحركة التصحيحية»، وقد روعيّ في دلالة هذه التسمية أن تشي باستمرار سلطة البعث وتصحيح مسارها في آن واحد، بعد أن حرفته «العقلية المناورة «، حسب تعبيره، للقيادة التي كان هو نفسه ركناً رئيسياً من أركانها، حيث كان وزيراً للدفاع وعضواً في القيادة القطرية لحزب البعث الحاكم، وكان طبيعياً أن يرجع حافظ الأسد خلافه مع زملائه، إلى الخلاف في المسألة الوطنية ومهمة تحرير الجولان من الاحتلال الصهيوني، وأن يروّج لنفسه بصفته رجل التحرير مستثمراً كل البعد الرمزي والوجداني لهذه المسألة الوطنية الأهم، وبها وعبرها وسع لنفسه مساحة تماس شعبية مع قضية من أهم قضايا الشأن الوطني العام بأبعاده القومية، والمتمثلة بالموقف من الصهيونية، ورغبة الثأر لهزيمة حزيران المذلة.

من هنا حرص الأسد على خروجه للناس محاطاً بهالة من العظمة والتميّز، وبها أقام الجبهة الوطنية التقدمية، بصفتها صفقة ضمنت له سكوت الأحزاب التقليدية وولائها، على خط التحرير والصمود في وجه العدو، والتحالف الوطيد مع الاتحاد السوفييتي بوصفه قائداً لخط النضال الأممي في مواجهة الإمبريالية العالمية، ورأس حربتها إسرائيل، وفقاً لأدبيات تلك المرحلة، واستناداً إلى هذه الركائز بأبعادها الوطنية والقومية والعالمية، وضع نظامه في صفّ المواجهة مع الإمبريالية والرجعية والصهيونية، وكسب ثقة الاتحاد السوفييتي ودول المنظومة الاشتراكية ودول حركة التحرر العربية والدولية، وحافظ على علاقات مرنة مع محيطه العربي والدولي خارج هذه المنظومة، حيث اتسمت سياساته بالبراغماتية، وبها تخلّص من عصابية مرحلة صلاح جديد، التي ساهمت بعزل سورية عن محيطها العربي التقليدي في دول الخليج تحديدا، ممهداً بذلك لدعم عربي في حرب تشرين «التحريرية» التي أعد لها بالتنسيق مع أنور السادات، ليبرز بصفته رمزاً وطنياً وقائداً محرراً.

وبالاستناد إلى هذه المهمة الوطنية النبيلة، أعطى لنظامه مشروعية القبض بيد من حديد على السلطات كلها، وليضيق الخناق على عنق البلاد، منتقلاً بموجبها وتكميلاً لها إلى احتلال ممنهج للفضاء الوطني العام، الذي بات مزدحماً بصوره المتباينة الدلالة والرموز وبتماثيله وأقواله، مع الحرص أن يكون تنوّعها وتعددها خادماً لرمزية صاحبها، وقوة حضوره وصلابته وقيادته الفذة الحكيمة.

من هنا ومن هذه الدلالات الرمزية اكتسب تحطيم الثوار لتماثيله صفة رمزية، تندرج في أهمية تحرير الفضاء الوطني من صوره وأوثانه الصادمة للبصر، معبرين عن حالة ثأر وانتقام ممن استقر حضوره المديد في وجدان الجماعة كرهاً، وخلف عند خصومه وضحاياه غلاًّ، طال احتباسه في النفوس، حتى لم تعد هذه الجموع تطيق رؤية تمثال لطاغية أذلها زمناً، حينما لم تكن تسطيع أن تنظر حتى إلى تمثاله شزراً ولو بينها وبين ذاتها، وقد حان الوقت الآن لإسقاط هذا الوثن المتألّه المتعالي من منصته الصادمة للبصر.

لذلك فإن هذه الجموع الغاضبة وهي تعمل فؤوسها بالتمثال، لم تكن تعبر عن مجرد انتقام قام به شخص أو مجموعة، بعد أن تحررت من خوفها وعجزها، وغدت لأول مرة في موقع إثبات الذات، وتحقيق الرغبة، و التحرر من شلل الإرادة، والخوف المتوارث منذ زمن طويل، وقد اعتادوا فيه على السكوت عن حقوقهم بقولهم، «اليد التي لا تقدر عليها قبلها وادعُ عليها بالكسر» .

نعم قد يكون للانتقام من تماثيل المستبد دلالات كثيرة، وعوامل واعية وأخرى غير واعية، ولكل سبب من الأسباب ودافع من الدوافع نصيب من الصحة والإصابة، ولكن الثورة والثوار عندما يطهرون فضاء البصر، لا يقفون عند حدودها، بل إنهم يتجاوزونها ليدشنوا مرحلة تحرير الذات والمجتمع، عبر تحرير فضاء الوطن من أصنامه، بعد أن أحتلت فضاء عقولهم بمختلف أساليب الترويج والترغيب والترهيب، حتى اعتادوا على رؤيتها وساكنوها في الساحات والمنعطفات، وعلى التلال والمؤسسات، وتدريجياً غدت أو كادت أن تصبح من ضمن المكونات الثابتة لفضاءاتهم كلها.

لذا فحينما تحرر الثورة السورية فضاءها من التماثيل، تكون قد حررت البصر من ثبوتيات المكان وسكونيته، ومن منعكساته النفسية الضاغطة سلباً على وجدانهم، وتكون قد أطلقت العقل من معيقاته وعوائقه، والوجدان الفردي والجمعي الوطني من تقيته ونفاقه، لحاكم اضطرت أكثرية السورييين إلى النفاق له، ليكسبوا رضاه وينالوا منه ولو النزر القليل من حقوقهم وحقوق أولادهم وأسرهم، حيث بات الولاء «للرئيس» شرط من شروط الوصول إلى بعض المنافع الهزيلة، والتي ليس من بينها حقوق المواطنة، لأن هذه الحقوق لا تمنح كلها ولا تمنح جزئياً إلا مقابل خدمات جليلة يؤديها الفرد للنظام.

إنها رغبة أضمرت وتراكمت عبر الزمن، بعضها فوق بعض، واختلط فيها الكره والثأر والانتقام، من مرحلة الحيادية السلبية، وترك الشأن العام لهم يتحكمون به كما يشاؤون، فإن حاربوا حاربنا وإن سالموا سالمنا، وإن أورث ابنه السلطة وعدل الدستور سكتنا، وفي وعينا ولا وعينا صور ضاغطة لمجازر حماة وتدمر وحي المشارقة وجسر الشاغور، وفي ذاكرتنا مئات السجناء الأبديين وشبه الأبديين، لا ذنب لهم إلا أنهم لم يبايعوا الأسد ولم يوالوه، بل هناك بعض من وقفوا محايدين سلبيين.

وإذا كان زرع الفضاءات البصرية والسمعية والعقلية والوجدانية كلها، ضروري لترسيخ جذور الاستبداد في وعي المجتمع ووجدانه، فإن تحرير هذه الفضاءات، يكتسب ضرورته ومشروعيته من كونه خطوة هامة لتحرير كرامة المواطن وإرادته من أساليبه المذلة، والانتقال إلى إحياء ما قد مات أو تكسّر من هشيم نفسه المرهقة بالتواكل والكسل، واستجداء سارقي النعمة ومحتكريها.

  • المصدر: ضوضاء
  • اسم الكاتب: جبر الشوفي