بوتين "النووي"

05.آذار.2018

"باتت لدينا مجموعة من الأسلحة الجديدة، منها صاروخ يمكنه أن يصل إلى أي مكان في العالم. الدرع الصاروخية الأميركية  في أوروبا وآسيا لا يمكنها إيقافه. لدينا نوعان من الأسلحة ذات القدرات النووية، صاروخ كروز وغواصة. تتمثل الرأس الحربية في صاروخ كروز، يحلّق على ارتفاع منخفض يصعب رصده، قادر على حمل مواد نووية غير محدود المدى، مع عدم توقع مساره، ويمكنه تجاوز خطوط الردع، وهو لا يُقهر أمام جميع الأنظمة الحالية والمستقبلية للدفاعات الصاروخية والجوية". .. هذا جزء من الخطاب السنوي للرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، للأمة أمام الجمعية الفيدرالية (تضم غرفتي البرلمان الروسي)، يوم الخميس الماضي، توعّد فيه بـ"الردّ القوي على أي اعتداء نووي على بلاده أو أي من حلفائها"، موضحاً أنه "سيعتبر عدواناً على روسيا".

هكذا بكل بساطة، وقبل نحو أسبوعين من الانتخابات الرئاسية الروسية، قرّر بوتين رفع سقف المواجهة مع الولايات المتحدة عبر الورقة العسكرية، وهي الورقة التي دشّن بها عهده الرئاسي الأول (2000- 2004)، حين أنهى المطالبة الشيشانية بالاستقلال عن روسيا في غروزني، ثم عاد واستخدمها عشية انتخابات 2014، والتي بكى فيها متأثراً بفوزه، إثر اجتياح قواته شبه جزيرة القرم الأوكرانية. هي الورقة نفسها التي ساعدته في عام 2008 في اجتياح جورجيا، وإنهاء طموحات رئيسها السابق، ميخائيل ساكاشفيلي، في جعلها موطئاً لقوات الحلف الأطلسي. وهي الورقة عينها التي استخدمها في عام 2015 بتدخله العسكري في سورية لنصرة النظام.

بوتين مغرم بالقدرات العسكرية لبلاده، وهو أصلاً ما كان أساس وصوله رئيساً: إعادة بناء القوة الروسية الاستراتيجية والنووية. ولكن للخطوة الجديدة تفسيرات عدة. يريد بوتين إعادة ردّ الاعتبار لروسيا، بعد الضربات الأميركية المتلاحقة، سواء بصواريخ الكروز الـ59 التي أطلقتها واشنطن في 7 أبريل/ نيسان الماضي على مطار الشعيرات التابع للنظام السوري في محافظة حمص، أو بالغارات الأميركية على دير الزور الشهر الماضي، وأوقعت عشرات القتلى التابعين لروسيا، جنوداً روساً كانوا أو مرتزقة. يريد بوتين "تجميد" التحرّك الأميركي العسكري غير المباشر من جهة، وتصوير بلاده قطباً عظمياً من جهة أخرى. غير أن ذلك دونه عقبات، ففي المرة الأخيرة التي تسابق فيها سلف روسيا، الاتحاد السوفييتي، عسكرياً مع الأميركيين، انتهى به الأمر بطلب وجبة سريعة من مطعم ماكدونالدز في موسكو، في 31 يناير/ كانون الثاني 1991.

وإذا كان بوتين قد رسم مساراً شبه عسكري في المراحل الماضية المفصلية، تحديداً في ذروة الدورات الانتخابية، الرئاسية أو التشريعية، إلا أن الإعلان عن التطور النووي، ليس سوى خطوة مواكبة للتغيير العالمي المرتقب اقتصادياً، في ظل بدء عهد العملات الرقمية التي من المفترض بعد وقتٍ ما، إنهاء التعاملات بالعملة الورقية. وعادة في التاريخ، تحصل الحروب، بعناوينها السياسية والدينية والقومية وغيرها، بفعل حراك اقتصادي مفصلي. دخل العالم عملياً هذا الحراك، لكن هذا لا يعني "حتمية" استخدام الأسلحة النووية، بل رفعها ورقة قوة في أي تشابك عسكري ناجم عن تصادم المصالح الاقتصادية. القوة في استعراض القوة لا في استخدامها. على أن ساحة الصراع ستكون أوروبا، تحديداً البلطيق، لوضعها الجيوبوليتكي، ولأساسها المالي، ولأنها المجال الأوسع لأي صدامٍ، باعتباره ساحة مشتركة بين الروس والأميركيين.

كان الردّ الأميركي تقليدياً "نراقب كل شيء، فإحدى التجارب الصاروخية سقطت في القطب الشمالي". استخدم الأميركيون لغة جوزف ستالين، حين قيل له إن "الولايات المتحدة أنتجت سلاحاً نووياً"، فقال "نعلم ذلك". ولم يتأخر ستالين في استعراض قوة بلاده نووياً، وربما هذا ما سيفعله الأميركيون قريباً. هل تصل الأمور إلى حرب نووية بين روسيا والولايات المتحدة؟ بالطبع لا، لكن الحرب الباردة عادت إلى الانطلاق من حيث توقفت في 1991.

  • اسم الكاتب: بيار عقيقي
  • المصدر: العربي الجديد
  • رابط المصدر: اضغط هنا

الأكثر قراءة