حرائر سوريا والحرب

25.تشرين2.2014

اذا كان للانتهاك في الحروب مسمى آخر فهو ( المرأة ) 

تشارك النساء بفعالية في كثير من النزاعات المسلحة في شتّى أنحاء العالم، وقد لعبن دوراً في الحروب على امتداد التاريخ.

تؤدي النزاعات المسلحة إلى تأثير بالغ في حياة النساء، و لهذا التأثير مظاهر اقتصادية واجتماعية خطيرة تبدأ بغياب المُعيل و تمتد إلى تفكك الأُسرة والعمل في التسول والدعارة وسوى ذلك. 

اضطرت النساء - وفي غياب الرجل - إلى القيام بأعمال شاقة يؤديها هو في العادة، مثل الزراعة وتربية الماشية والهجرة إلى البلدان لأجل العمل وتدبيرأمورمعيشتهنْ وأسرهنْ ، وفي سبيل ذلك كثيراً ما كانت تفوتها فرص مناسبة للزواج المستقر وتزداد في المقابل العنوسة، وتقل فرص المرأة في اكتساب مركز اقتصادي واجتماعي لائق.

و كان التقرير الأخير الخاص بالمفوضية العليا للاجئين السوريين التابعة للأمم المتحدة تأكيداً على انتقال المرأة من المساعد في التربية بشكل أساسي , لتغدو المعيل الأساسي للعائلة , ليوضح التقرير ان أكثر من مائة وخمسة وأربعين الف عائلة سورية تعيلها اليوم النساء . 

منذ الأيام الأولى لثورة الحرية والكرامة برزت النساء السوريات في مظاهر التعبير الإجتماعي لنيل الحرية، كالمشاركة في التظاهر و الكتابة والدعوة إلى الحريات، ونالت قسطها من بطش النظام من اعتقال واغتصاب وتنكيل بها وبالأهل رجالاً كانوا أو نساء . ليتصدر الاستغلال الجنسي أكثر مظاهر العنف التي استخدمت ضد المرأة السورية في السنوات الأربع التي خلت. 

فمن المعروف عن النساء السوريات هو اعتزازهن بشرفهن و التزامهن الآداب العامة في محيط من الحياة الاجتماعية المحافظة، وقد كانت تلك ورقة رابحة بيد النظام الأسدي الغاشم ضد النساء والمتظاهرات اللاتي طالبن بالحرية بقوة و حماس، ولم يكنّ خائفات من عواقب التعبير بعد أن طفح كيل الظلم سنوات طويلة. 

وقد ذكرت التقارير وشهود العيان حالات اغتصاب كثيرة في صور وحشية كحالات الاغتصاب التي تعرضت لها نساء أمام ذويهن في نوع من الإذلال لهن أو انتقاما من عائلاتهن، مثلما حدث في مدينة حمص السورية بداية الثورة. 

وهنا لايكون الاغتصاب مجرد عنف وعقوبة ضد المرأة السورية فقط ، بل عملا عدوانيا ضد المجتمع السوري بأكمله وضد عائلة الفتاة أو السيدة على وجه الخصوص. 

في ظروف الحرب تقام عادةً أماكن من شأنها حماية النساء والأطفال وكبار السن، لأن الرجال والشبان يكونون منشغلين بالحرب وعلى الجبهات أو هاربين أو مفقودين، أُطلق على هذه الأماكن اسم "مخيمات"، وقد تتعرض هذه المخيمات للهجوم والنهب والاعتداء من العصابات المسلحة أو رجال السلطة نفسها التي يُفترض أن تحمي المخيمات وترعاها من المعتدين والبغاة .

لعل من دواعي الشعور بالمأساة في هذا السياق أن نذكر أن الاغتصاب لم ينحصر بالمعتقلات الأسدية، بل امتد ليصل إلى بعض المخيمات (الصديقة) التي يُفترض أن يكون من أخصّ غاياتها حماية اللاجئين إليها!

نظرة المجتمع الى المرأة التي تعرضت لضرر مادي ومعنوي : 

عانت المرأة قديماً - وما تزال – تعاني في مناطق كثيرة من النظرة السلبية في المجتمع الشرقي الذي كثيراً ما افتقد الرحمة تجاه العنصر النسائي فيه، فكيف وقد وقعت - بغير ذنب منها - في محنة الاغتصاب ؟ لقد كان من أثر قسوة المجتمع ونظرة العارالتي تلاحق النساء المغتصبات أحيانا أنه تم توثيق حالات انتحار عديدة من نساء تعرضن لهذا النوع من الانتهاك . 

في حالات أخرى لكنها قليلة، كان ثمة من ينظرون للمرأة المعتقلة على أنها بطلة ويدفعونها إلى الأمام، ويساعدونها كي تستمر بشكل طبيعي في حياتها القادمة. 

لم تسلم المرأة السورية من العقاب حتى عندما كانت مشاركتها إنسانية سلمية بكل المعايير_ كما في العمل الإغاثي _ فقد كان يكفي أن يبلغ أزلامَ النظام الأسدي خبرٌ عن فتاةٍ تعمل في هذا الميدان حتى تحل عليها اللعنة والغضب، وللأمانة في تسجيل الواقع نذكر أنه لم يثنِ اعتقال فتيات بتهمةِ الإغاثة زميلاتهن اللواتي مازلن حرّات من المضي في الميدانِ نفسه بثقة و يقين، فلم ينل من إرادتهن بل زاد هذا من عزيمتهن وإصرارهنّ على إيصال الإعانات إلى مناطق محاصرة أو محرومة يعجز الرجال عن دخولها أوالوصول إليها ( كمناطق الزبداني أو بعض من ريف دمشق المحاصر ) وفي أماكن عديدة غيرها.

و لاشك أن مما يزيد من معاناة المرأة في الحروب أن بين النساء حوامل وأرامل ومرضعات وأمهات، وهذا هو الجانب الذي يجعل النساء أكثر عرضة للأذى في ظروف الحرب والنزاعات المسلحة.

ومن المأساة أن تنتقل المحنة أحيانا إلى المساكن والبيوت وأماكن الإقامة، فتتعرض للتدمير بسبب الدافع الشائن نحو المرأة.

في يوميات الثورة السورية. مثال على ذلك ماذكره شهود عيان عن فتاة كانت تقيم في حي الزبداني بدمشق، وكانت في طريق عودتها إلى المنزل مرةً، فمرت بأحد حواجز النظام الأسدي فطلب منها أحد عديمي الشرف رقم هاتفها، وعندما رفضت الحرّة ومضت في طريقها تبِعها العسكري ليعرف مكان سكنها، ثم قام بقصف المنزل، فراحت الفتاة وأهلها جميعا ضحية هذا العمل الوحشي المألوف عند عملاء النظام، دون علمهم بالذنب الذي اقترفوه .

وفي النهاية أقول : إنّ سبل مواجهة ألوان العنف السائدة ضد المرأة السورية في محنتنا اليوم تحتاج إلى معالجة فكرية واجتماعية واقتصادية، مع نشر للوعي والتوجيه التربوي، مرفقا بحثّ منظمات حقوق الإنسان والدفاع عن حقوق المرأة المشروعة في المجتمع الديمقراطي، فلا شك أنه ثمة علاقة جدلية بين الأمّية والجهل والبطالة وغياب الوازع الديني والاجتماعي من جهة، وبين استمرار ممارسة العنف ضد المرأة دون أدنى شعور بالذنب في المجتمع من جهة أخرى.

  • اسم الكاتب: تاليا قدسي