أحوال الثورة السورية: الرمز والمعنى

22.تشرين2.2014

أجمل ما في الحب هو البدايات، وأجمل ما في الثورة السورية هو بداياتها، حيث اللقاء الأول والدهشة الدائمة، مع انطلاقتها تكون قد انتهت مرحلة من الركود والثبات التي عززها نظام الأبد والحزب الواحد المغلق.

لم تكن انطلاقتها صدفة وإنما ضرورة تصالحت مع منطق التاريخ، فاندفعت جموع الهوامش إلى ساحات الفعل وتحولت إلى فاعل استطاع أن يقطع مع الفوات التاريخي الذي كرسه نظام الاستثناء العربي المستبد.

مع انطلاقتها، نهض الحيز العام وأطلق معه ديناميات وحساسيات جديدة على مستوى التفكير والأخلاق والوعي وعادت الحياة للسياسة من بعد سبات طويل، انتعش الفكر النقدي وتكسرت النخبوية وفوقية الفكرة ونظريات الأبراج العاجية وسقطت معها البداهات واليقينيات والقوالب الجاهزة.

وحتى مفهوم المكان تغير مع الثورة السورية وعاد الألق والروح للشارع ولفعالية الشارع وتحولت الجدران إلى حيز للتدوين وكتابة الحكايا. كتب شباب هامشي حكاياهم على ما تبقى من جدران بائسة هشة وطينية، وأطلق العنان للمخيلة والبصر وولدت على إثر ذلك حالة من الاندماج الكلي بين الجموع والأمكنة.

تحررت الفكرة من قيدها وتلاقت مع أفكار أخرى وتلاقت أصوات لم يسبق وأن تلاقت من قبل.

كانت الثورة محطة للتلاقي وليس للتباعد والتنافر وانبعثت روحية جديدة من بعد انكفاء وتقوقع وعزلة. إنها ولادة دائمة للأفكار والمعاني، واليوم لا تنفك الثورة تسائل حركتها ومكوناتها وفاعليها وأدواتها وحتى أمكنتها؛ تسائل كل ما مضى من أفكار ونظريات ومقولات وفلسفة، وتسائل هيغل وماركس عن معنى التاريخ والوعي والطبقات والبنى المجتمعية.

تسائل غرامشي عن معنى الثقافة والمثقف والهيمنة والمجتمع المدني، وتسائل باشلار عن الأمكنة وجماليتها، وعن القطع مع ما سبق والتأسيس للجديد.

تسائل لينين عن مفهوم الطليعة والحزب والتنظيم، وتشهر عداءها لستالين، وتتصالح مع ثورة تروتسكي الدائمة، وتشعر بالمرارة والألم والخيبة بعدما تم الغدر بها وطعنها في الصميم أي في صميم حركتها ومسارها وأهدافها.

تسائل ماو تسي تونغ عن معنى الثورة الثقافية وعن السبيل لإنجاز ما نجح في إنجازه، بعد نجاح ثورته وتحقيق المرجو منها. وتسائل هوشي عن الصمود والمقاومة وحرب العصابات.

تسائلنا جميعا عن معنى الهوية والانتماء والوطنية بعدما تغيرت اتجاهات البوصلة وانحرف سمتها.

ومع ذلك تبقى العنيدة والمستفزة والمتمردة والجموحة واللامعقولة والمشاكسة. وتبقى ثورة الأنسنة والتحرر والحرية والكرامة.

تسائلنا عن الذات والآخر وكأنها مرآة كاشفة في حكاية تتشابك خيوطها معلنة بدء انطلاق الحكاية- المعنى.

ومعها تكون قد سقطت المعاني الزائفة والوعي الزائف، وولدت معاني بديلة ونقيضة للسائد من معاني. عمل على إنضاجها فاعلون جدد لهم قيمهم، وفكرهم وحساسيتهم وثقافتهم الجديدة المتمركزة على جديد أفرزته دينامية الحركة الدائمة.

واليوم تدعو الثورة السورية كل مثقف معني بالتجديد إلى أن يبدع نصه من ملحمة الشارع ومن واقع التحولات الدائمة وأن يستنبط ما طاب له من الأفكار. إنه زمن الإبداع وابتكار المعاني.

يستحق شعب أسطوري كالشعب السوري، استطاع أن يسبق مثقفيه وقادته وقدم تضحيات جسام، إبداعا وفكرا يرسم وجوه المهمشين ويحكي شعاراتهم ويؤرخ حكايتهم، شعب يليق به الأجمل والأبهى يستحق كتابة جديدة لزمن جديد.

إنها، أي الثورة، دائمة الخصوبة والمنتجة لكل أشكال المعاني، زمنها بطيء وحلزوني ويتعثر ويتراجع، لكنها ستحقق أهدافها وإن طال الزمن. تبقى السؤال الكبير وقلقنا الدائم، وهي الرمز والمعنى، وهي ما تبقى لنا من فسحة أمل.

 

  • المصدر: العرب
  • اسم الكاتب: هيفاء الجندي