طباعة

"نجد البوشي" من هاربة من الموت في سوريا إلى قبطانة ومنقذة للأرواح

11.كانون1.2019

"نجد البوشي" فتاة سورية من مدينة حلب السورية بلغت من العمر 42 عاما، حلمها بسيط وهو أن تعيش كإنسانة في بلدها، حيث عملت في عمل صغير في جامعة حلب بعد وفاة والدها لتقدم المساعدة لعائلتها وهي في عمر 18 عاماً.

هربت "نجد" من الحرب المستعرة في سوريا والخوف من الموت أو الاعتقال أو الإعاقة الجسدية، وهرباً من مستقبل معدوم لأطفالها، إذ قررت الرحيل إلى المجهول، عبر براثن الموت في رحلة اللجوء إلى بلاد أخرى، لا تعرف عنها سوى أسمها.

وقالت "نجد": إما أن أحيا حياة كريمة أو أموت" تلك كانت نقطة انطلاقتي من تركيا إلى المجهول، فلم أكد أعرف هل سأموت غرقاً أم سأصل، ولكني سعيت وراء حلمي بالوصول والنجاة والعيش كإنسانة ولدت لهدف من أجل متابعة الحياة والعيش، رغماً عن كل الظروف التي دفعتي لترك أحب البقاع إلى قلبي "حلب".

مع اندلاع الثورة في سوريا تعرضت نجد لعدة مشاكل منها طلاقها، ومنها الخوف من الاعتقال بسبب حبها للثورة ومتابعتها والمشاركة في عدة تظاهرات، في ظل بلد يحكمه نظام مستبد، ويمنع عن الشعب أدنى مقومات الأمان والحريات وحقوق الأطفال والنساء.

قررت "نجد البوشي" ذات الـ 42 ربيعا مغادرة سوريا بعد تفكير طويل وتخطيط مسبق لهذا الأمر، فأولى المحطات كانت عبور الحدود السورية التركية، إلى الأراضي التركية والتي تعتبر بوابة الهروب إلى أوربا.

وأضافت نجد "رحلة البحر كانت من أهم وأدق الأوقات في حياتي، يا ترى أننجو من الموت أم نغرق أم ...أم"، تلك العبارات ظلت ترددها نجد منذ أن قررت ركوب البلم عبر البحر من تركيا إلى أوربا، فعاشت في مخاطرة بين الموت والحياة، عنوانها حياة كريمة، وخاتمتها إما موت أو وصوول لبر الأمان.

وأردفت نجد: انطلقت الرحلة إلى أوروبا، لكننا لم ندرك أن هنالك عملية نصب بحقنا، فقد قام من يريدون تهريبنا إلى أوربا بإيصالنا إلى جزيرة تركية مهجورة مع القليل من الماء وبدون طعام ولمدة أربعة أيام، في ظل وجود العديد من الركاب الذين كانوا معنا مقدرين ب 42 سوري من مختلف المناطق، بات الاحتمال الأقوى الموت جوعاً، في مكان لا يعيش فيها لا إنس ولا بشر، مهجورُ منذ مئات السنين، هنا دب الخوف في نفوسنا ماذا سيحل بنا.

وتابعت "نجد": فبعد ليالٍ عدة بجزيرة يونانية مهجورة، عدت إلى أنقرة، حرقنا الجزيرة حتى نخرج، وفشلنا، حيث أوضحت "نجد" مغامرتها الأولى قائلة إنها بعد مغادرتها سوريا باتجاه تركيا، بدأت برحلة محفوفة بالمخاطر إلى جزيرة يونانية، حيث علقت مع رفاقها المهاجرين على متن قارب، وأشعلوا النيران في اليابسة للفت أنظار السلطات هناك حولهم. لكن كانت خيبة أملها ورفاقها عندما تمت إعادتهم إلى أنقرة.

وتابعت "نجد" يعرف اللاجئون جيداً هذا التعب والخوف اليومي، ويعرفون أن اللاجئون مرفوضون، يعيشون على أرصفة الطرقات بانتظار دورهم، "نحن مجرد مبالغ مالية للمهربين، لسنا بشر".

وتحمل "نجد" في قلبها خوفاً آخر، إذ وعدت طفليها بلقاء جديد، لتبدأ للمرة الثانية رحلتها، من تركيا إلى اليونان مروراً بإيطاليا، حتى مدينة فرانكفورت الألمانية، حيث قالت: "كنت مرعوبة، أردت الذهاب إلى السويد، ولكنني تحت ضغط الخوف قدمت طلب لجوء في ألمانيا".

وأردفت: بعد أن تم انقاذنا اكتشفنا ألا يوجد هنالك ما يسمى بـ "حقوق الإنسان"، وبعد عدة محاولات وصلنا إلى جزيرة يونانية، مطلع 2014، هنا لم أكن أعرف أين سيحل طريقي، هنا أم في غير مكان، هنا قررت التوجه إلى ألمانيا في رحلة ثانية وخوف ثاني من أن يعاودوا ترحيلنا إلى اليونان أو مكان آخر، لم تكن البداية سهلة عليها، فكل ما كان يشغل بالي هو لم شمل طفلي، ومع هذا فإن اتقاني للغة الإنجليزية دفعني لتقديم المساعدة للاجئين في المخيم من أجل تسريع المعاملات الورقية.

وقالت "نجد": المخيم لم يكن سوى ملعب كرة سلة، في داخله عدة أسرّة، وصل عدد المقيمين فيه إلى أربعين شخصاً، وكان بمدينة تحيطها طبيعة خلّابة، "ولكنها مدينة أغنياء، فكيف لي أن أحصل على بيت أو على متطلباتي اليومية؟"، فتهنا في الغابات والطرق وبعد المشاق الطويل والتعب الكثير ونوم وبكاء وجوع ووهن صلنا إلى ألمانيا ذلك البلد الذي احتضن السوريين، احتضنهم دون تمييز، فكان لا بد لي من النجاح في كامل الأمور منها اللغة والعمل وأهم ما كان في ذلك هو مخاطبة الجميع أن المرأة السورية قادرة على إثبات نفسها دون زوج، فهي أقوى من كل تلك الصعاب.

عملت "نجد" في مخبز لمدة عام، حيث قرر المدير أن يغلق المحل، ولهذا بدأت بالبحث عن عمل جديد، فأعادت ترتيب حياتها من جديد، قدمت طلبات حتى وصلت إلى أحد قباطنة السفن في المدينة، ومن ثم حصلت بعدها على وظيفة محاسب على ظهر السفينة.

لم يكن العمل سهلاً، الكثير من الجَلَد الجسدي، والأعمال الشاقة، ولازالت نجد تعد نقود الركاب، وتساعد القبطان، وترتب ظهر السفينة، وتعتني بالتفاصيل الصغيرة، حتى أتى الحلم وجاءها المدير ومعاونه ويعرضان عليها العمل كقبطان سفينة.

"مستحيل...معقول...أنا...جد عم تحكوا...يعني مو مزح كرمال الله مو مزح" تلك كانت ردة فعل نجد عند سماعها خبر تعيينها قبطانه وبدعم من أولادها أثبتت نجد جدارتها.

ثلاثة أسابيع كانت كفيلة بأن تضعها خلف مقود السفينة، درست كثيراً، فهناك امتحان نظري وعملي، وتحت ضغط التدريبات المكثفة، والدراسة اليومية، وجدت نفسها أمام نجاح مبهر، واستطاعت أن تجتاز امتحان قبول السفينة من المحاولة الأولى، ومع هذا واجهت "نجد" الكثير من نظرات الاستغراب في البداية، وبعض الاحتجاجات لكونها امرأة ولاجئة.

وأضافت "نجد": كان هناك عدم قبول في البداية، ولكن بعد أن تعرف علي الفريق، أصبحوا سعداء جدا بوجودي، وقدموا لي الدعم الكثير، أما عائلتي فقد رحبت بهذا القرار، ومعتادة على دعمهم، لدي عائلة متماسكة.

ومع هذا تواجه نجد العالم مرة أخرى، مصرّة على بناء مستقبل أفضل لطفليها، ولتستمر في رحلتها عبر بحيرة تيرغنزي، تبتسم في وجه العابرين يومياً، سعيدة بكل ما تقدمه ألمانيا من حرية تعبير وفرص وتقول مقولتها الرائجة "طموحي لن يتوقف هنا"، أن أكون قبطانه هذا فخر لي ولأولادي، همي الأوحد أن أنقذ الأرواح، كل الأرواح عندي روح واحدة، لا يهمني جنسية المنقذ فهو في الأخير إنسان له عائلته يتمنون رجوعه، تلك الأمنيات دفعتني لأكون قبطانه وأتحدى الصعاب في محاولة لإنقاذ المدنيين من الغرق.

  • اسم الكاتب: تركي سويد