أسماء الأسد: السرطان والعرش
أسماء الأسد: السرطان والعرش
● مقالات رأي ١٤ أغسطس ٢٠١٨

أسماء الأسد: السرطان والعرش

تحاورت مع صديق يبحث عن تفسير لإعلان مرض أسماء الأسد، وكيس المصل معلق بارتجال فوق رأسها في الصورة الثابتة، وكأنها في مشفى سوري عمومي، وليست زوجة الرئيس الإله، وحقيبتها على الأرض، وزوجها إلى جانبها كما في الأفلام الهندية، يقوي من بأسها ويشدُّ من عضدها، أو أنه لا يثق بالطب الفارسي والروسي. وقال الصديق: هذا يحتاج إلى تأويل، في بلد اعتادت على الكتمان. فقلت: إن أسماء ليست خطراً على أحد.. ليست رئيساً لفرع أمني، مثل رستم غزالة، أو قائداً مثل عصام زهر الدين، وهي أم أولاد الرئيس الذي قد يكون بينهم الوريث الثالث، ولم تقترف خطأ بتصريحات كاشفة.. وليس لهذا التأويل ما يبرره، النساء عادة دروع بشرية في الدفاع أو الهجوم، لكن الأغنية كشفت الأمر لبعض النابهين: سيدة السرطان مرشحة للرئاسة.

سرطان وردة الصحراء سكر خفيف، أيضا سوبر ستار. فقد غنى شادي أسود للضحية مواسياً لها قبل أن تبرأ. سرطانها ليس أكثر من نزلة شعبية أو كذبة، سرعان ما سيعلن القصر الجمهوري جلاء المرض عن "ست الكل"، لقب أم منجل الجديد، ونحتفل بعيدين للجلاء: جلاء الاستعمار الفرنسي عن سوريا، وجلاء الاستعمار السرطاني عن جسد السيدة الأولى. الاستعماران الروسي والإيراني قدما بدعوة لمحاربة الإرهاب.. ليسا احتلالين، ستطول الإقامة نصف قرن على الأقل. إسرائيل قالت: الأسد آخر ملك علوي لسوريا. الرجل قدّم خدمات هائلة لشعبه، جعل مليوناً منهم شهداء، ونصفه نازحاً.. الاستعمار سيغير قفازاته.

صباح الحادي عشر من شهر آب اللهاب، ظهر الدخان الرمادي من مدخنة صحافة القصر الجمهوري السوري، وتبيّن من الأغنية أنّ زوجة الرئيس مرشحة للرئاسة. القيصر بوتين، قال للرئيس الأسد الذي حكم ما يقارب العقدين وراثة عن أبيه الجمهوري، الذي حكم ثلاثة عقود: يجب أن تتخلى عن "المسؤولية". لنتذكر أنّ محمد بن نايف قال لولي العهد محمد بن سلمان، مكرهاً غالباً: "الحين ارتحت" وجاء دورك. ستبقى في الظل معززاً مكرماً، تحكم من وراء زوجتك. كثير من الممثلين في أدوار البطولة يتحولون للإخراج. طبعاً لن يكتب الرئيس مذكراته.. المسؤول العلوي لا يكتب مذكراته. الأغنية التي غناها شادي أسود عنوانها "ياسمينة الشام"، بُثت بسرعة، وأوحت بهذا التأويل. العنوان قريب من "وردة الصحراء". لقد أثمرت أخيراً بطولة ملايين السوريين، استشهاداً تحت البراميل والقنابل العنقودية والكيماوية والسكتة القلبية، ثمرة، وهي أن تتولى زوجة الرئيس الرئاسة، غالباً لدورتين.

 من مساوئ الصدف أنّ ملوكنا يتبعون السنّة الغربية، وينسبون الزوجة إلى أنسابهم، فأسماء الأخرس بعد الزواج صارت أسماء الأسد.. ادعوهم لآبائهم هو أقرب للتقوى. يقال إنّ الأسد لا يخلو بيته من العظام، وقد أخفى الأسد سماوات سوريا بالقبوات. القبوات هي كرشة محشوة بالرز، هي المقاومة والممانعة والديمقراطية الشعبية. هي الشفافية. ستخفى مجازر سوريا بياسمينة الشام.

لكن شجاعة القصر الجمهوري الذي واجه 86 دولة كبيرة، منقطعة النظير، انتصر النظام بمساعدة دولتين هما روسيا وإيران، وسيرافق هذا الانتصار دحر وردة الصحراء لمرض السرطان. ويقال إنّ مرحلة جديدة من الشفافية ستبدأ، ذلك المصطلح الذي تكرر على ألسنة موظفين في صندوق دولة أسود شديد الكتمان والعزل، يعبر فيها عن الموت تحت التعذيب بالسكتة القلبية، وعن الزكام بالسرطان، وعن الوحدة والحرية والاشتراكية بأضدادها: تفرقة، عبودية، رأسمالية.

لقد كان طغاتنا ينالون الشرعية من ساسة الغرب، وكانوا يتقربون إليهم زلفى بقرابين منها: قمع الحركات الديمقراطية إسلامية أو يسارية، وقد خف قمع الثانية بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، فلم تعد تخيف، بل باتت سنداً للطغاة، وبأمر آخر هو قرابين النساء وحقوقها، ليس كل النساء، المرأة العلمانية بخاصة، أو التي في حكمها، لقد بلغت عهد التميمي شهرة لم تبلغها النجيبات العتاق المراسيل. أسماء الأسد كانت إحدى جسور الأسد إلى أوروبا، فأسماء هي ابنة الغرب، تتقن اللغة والعادات، وهي جميلة. ابن سلمان منح المرأة السعودية رخصة السواقة، ففرح بها الغرب وطالب بالمزيد من الإصلاحات، ولم يغضب إلا لاعتقال امرأتين أو ثلاث، ليبراليات، أغدقت عليهن الألقاب بلا حساب. وهذا حسن، فحكوماتنا لا تغضب لشيء، بل تُسر بالاعتقالات، وتفرّق بين الرجل والمرأة في كل شيء إلا في العقاب، بل إن عقاب المرأة أنكى.

السيسي نفسه كان يكرر للصحافة، بل يكاد أن يمنُّ على الغرب، الذي ليس في برلماناته كل هذا العدد من "الولايا" والحريم، أن برلمانه الذي يسميه المصريون بالبرطمان، وهي زجاجة شديدة الإحكام لعمل المخللات، فيه ستون امرأة. التقارير الغربية تنتقده بشدة، وربما تخفي شماتتها، لكن الساسة الغربيين يحمدونه على مكافحة الإرهاب، الذي لم يكن معروفاً في مصر بعد. هو نفسه قال بلغته الركيكة إن العنف الحكومي يسبب الإرهاب ويولده: "طلّع نار يطلع قصادك مية نار".

النساء ضعيفات في بلادنا. عندما اختار الأسد نجاح العطار نائبة له بين ثلاثة نواب للرئاسة، ليسوا مصابين بالسرطان، قال مراسل صحيفة معروفة مبتهجاً: إن في التعيين سبع رسائل ذكية، وعدّدها، ولم يذكر الثامنة، وهي أنها ضعيفة وعجوز، ومهيضة الجناح. والحقيقة أن ثمة فرقا كبيرا بين اعتقال الذكر واعتقال المرأة، فحصتها من التعذيب والعار مضاعفة.

كما أن سوريا عربية الهوى، وليست مثل بنغلاديش وباكستان وتركيا، وهي دول إسلامية غير عربية، تولت فيها نساء الرئاسة مثل خالدة ضياء الرحمن، وحسينة واجد، وتانسو شيللر، حتى شجرة الدر التي تولت الحكم  كانت غير عربية الدماء.. العرب لا يولون النساء إلا وزارة الثقافة. كانت زوجات بعض الخلفاء يأمرن وينهين، أمثال الخيزران وزبيدة، لكن لم يحكمن.. لم يحدث أن تولت سيدة عربية دفة الحكم بعد الإسلام، ويبدو أنّ سوريا تستعجم.

النساء إما جميلات فينفعن للإثارة والإعجاب، أو كبيرات فينفعن في التذكير بالأمومة والاحترام. الاستعطاف بالنساء وارد بعد قرون من الظلم، واعتبارهن من أدوات الشيطان.

إنها لإحدى الكُبر، وأغرب توطئة للرئاسة.. لقد اختار القصر الجمهوري بطولة الضحية.

 لا "مجتهد" في سوريا، مجتهدها هو السرطان، وللمرض فوائد كثيرة.. الشامان القديم لم يكن يتولى الشامانية، وهي كهانة القبيلة، إلا بعد مرض عضال، لعل أسماء الأسد هي الشامان السوري المرتقب.

المصدر: عربي 21 الكاتب: أحمد عمر
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ