ماذا قال بشار الأسد لهمام حوت.. وكيف احتفل الإعلام السوري بالجميلات الكرديات

15.تشرين1.2014

الجميع تغزّل بالصور الفاتنة للمقاتلات الكرديات، وهي تتالى مترافقة مع المعارك المشتعلة في كوباني – عين عرب. لكن أغرب الغزل جاء على بعض شاشات إعلام النظام السوري، خصوصاً ذلك التقرير على قناة «سما» وريثة قناة «الدنيا» تحت عنوان «الجميلات هن الجميلات – بنات عين العرب».
وفي وقت أصرّ التقرير على تسمية المدينة باسمها العربي «عين العرب» من دون اسمها الكردي، لم يتوقف عن الحديث عن «مقاتلات كرديات»، و»حماية كردية تأسست عام 2012»، كما بدا معجباً ببسالة الجميلات الكرديات وهن يحاربن إرهاب «داعش»، «في سبيل حماية المدينة»، و»حفاظاً على أرضهن وكرامتهن».
الغريب في الغزل السوري الرسمي، شأنه شأن الممانعين عموماً من مثقفين وفنانين ومحللين، من بينهم كثر لم يتداولوا مرة صورة حتى للاجئة سورية على رصيف أو في ظل خيمة، الغريب هو أنه يبيح قتال الكرديات في وجه أسباب لم يكن النظام السوري بعيداً عنها يوماً. حينها كان حمل السلاح أمراً نافراً، حيث يبدو أن من حق «الدولة» و«جيش الوطن» أن يفعلا بمواطنيهما ما لا يحق للغريب. لا حصار المدن، ولا إطلاق النار فوراً على صدور المتظاهرين، ولا تعذيب المعتقلين وتقطيع أوصالهم في السجون، أو تركهم يموتون جوعاً، لا الإغتصاب ولا التنكيل والتهجير كان يستحق أي نوع من العنف المقابل، ولا أي نوع!ّ

الصور للجميلات، فمن للضحايا؟

صور المقاتلات الكرديات كانت جزءاً من حملة إعلامية ناجحة بارعة أدارتها الأحزاب الكردية المتمرسة في العمل الحزبي والسياسي والتعبوي لسنوات طويلة. لم تكن صوراً عفوية، وليس من الواضح أنها التقطت في ساحة المعركة. هي صور حُضّرت بعناية، في الصفوف الخلفية وفي ساحات ومعسكرات التدريب، وهذا ما يفسر اللقطات الجميلة، لفتيات جميلات لم يعلوهن شقاء الحرب وغبارها.
لا شك أن الصور أيقظت أحلام الشباب الرومانسية، المخيلة التي يغريها حضور المرأة الجميلة إلى جانب الرجل في كل مكان، في الحرب خصوصاً.
من بين الملصقات الكثيرة للمقاومة الفلسطينية واحدٌ شاع بكثرة وملأ حيطان المخيمات والمعسكرات لمقاتل ومقاتلة بلباس الفدائيين يداً بيد، وسلاحاً بسلاح. هنالك أيضاً صور الشهيدة دلال المغربي مع مجموعة من الشبان الذين شاركتهم العملية الفدائية الشهيرة في فلسطين كانت من أشهر الصور وأكثرها رسوخاً في الذاكرة. وقد كانت صوراً محضّرة قبل بدء العملية. جاءت بعدها صور كثيرة لسناء محيدلي، وسواها من المقاتلات الجميلات.
إن أردنا معرفة الفارق في مهارة التوظيف لنتذكر الصور الأولى التي أطلقها النظام السوري لنساء «تطوعن» في وحدات الحماية الشعبية. كانت صوراً مشفقة، حزينة، لنساء بأكتاف محنية، وعيون تائهة. كنّ أقرب إلى رهائن منهن إلى مقاتلات. لكن تقرير قناة روسية حاول تبديل الصورة عندما أظهر مقاتلات النظام كجميلات يعملن قناصات محترفات على خطوط التماس.
هو استخدام أقرب إلى توظيف المرأة في الإعلانات التجارية، مع حنكة حزبية متمرسة استطاعت أن تخلط تلك الصور مع بعض الأساطير غير المؤكدة، من قبيل أن تلك المرأة الجميلة في الصورة قد انتحرت بطلقة قبل وصول يد «الداعشيين» إليها. حكاية أقرب إلى انتحار الشاعر اللبناني خليل حاوي أثناء الاجتياح الإسرائيلي للبنان العام 1982 مختصراً القول «بيدي لا بأيديهم». حكاية المرأة المنتحرة ليست مستبعدة بالطبع، ولكنها كانت مشوشة بعض الشيء، حيث قُدمت روايات مختلفة.
لا يُنقِص ذلك طبعاً من نضال ومن جمال النساء الكرديات، ولكن ماذا عن السوريات الأخريات اللواتي لم يتسنّ لهن ترتيب أنفسهن قبل انقضاض البرميل المتفجر، أو صاروخ السكود، فركضن بثياب البيت، بوجوه مدماة، وأجساد مبعثرة، وعيون صارخة؟ ماذا عن السوريات اللواتي لم يتح لهن الوقوف بوضعية ما أمام المصور من أجل لقطة محسوبة «تكسّر الدنيا»؟
هو نوع آخر من التزوير، هل يحتاج العالم إلى صورة جميلة ليلتفت إلى مأساة ملايين السوريين؟ ألا يفكّر الإعلام بمعايير أخرى للجمال؟ وأيهما أجمل؛ صورة محسوبة بعناية في الاستوديو، بعدسة مصور لا يزيح البايب من فمه، أم صورة مهتزة عثر عليها في موبايل ناشط استشهد بطلقة قناص أثناء التقاط الصورة؟

«أوديب» لاهثاً خلف الأضواء

شهادة الكوميديان السوري المعارض همام حوت في برنامج «تغيّرنا» على قناة «الأورينت» لافتة ومهمة، توثق لنموذج مكرر من العلاقة بين الفنانين والمثقفين السوريين مع المسؤولين الاستخباراتيين النافذين. حوت كان ممثلاً مسرحياً مغموراً بالكاد تعرفه مدينته، وصاحب فرقة مسرح تجاريّ كوميدي، لا يلوي على اسم يذكر قبل زيارة بشار الأسد المفاجئة لمسرحه في حلب، لتنفتح أمامه أبواب الشهرة والمال، وليصبح مسرحه النوع الفني الأمثل لزيارات المسؤولين وعائلاتهم.
في البرنامج يروي سيرة ذلك الاحتفاء الرئاسي، والمخابراتي المفاجئ، ويعترف أنه سوّق لبشار الأسد بقوة، ومن الواضح أنه كان يعي ما الدور المطلوب منه، لماذا الاحتفاء، ومقابل ماذا؟
لا يتردد همام حوت في الاعتراف بلهاثه هو أيضاً وركضه وراء أعطيات رئاسية، السيارة التي أعطيت له (قال له بشار الأسد اذهب إلى إياد غزال ليعطك سيارة)، ثم كيف استقوى بالمخابرات للحصول على موافقة عرضه المسرحي «ضد الحكومة» الذي لم يتمكن من الحصول على موافقة للعرض من وزارة الثقافة.
اللافت أن حوت، وهو يتحدث اليوم من موقع المعارض، لا يبدي في حديثه أي نوع من الندم، بالعكس، يبدو مغتبطاً بالأعطيات التي وهبت إليه، كأنه كان يستحقها دون سواه. صوته وانطلاقته، وإشارات جسده كانت طوال الوقت تتحدث بلغة انتصارية لا بلغة اعترافات، ولا بلغة الندم.
في واحدة من رواياته استعاد الروائي التشيكي المعروف ميلان كونديرا حكاية «أوديب» في الأسطورة الإغريقية، كيف أنه حين اكتشف حقيقته وهويته المرعبة (قتل أباه وتزوج أمه) فقأ عينيه وتاه ما تبقى من عمره في مصير معتم.
يستعيد كونديرا حكاية أوديب ليقول لشيوعيي بلاده الذين سكتوا على احتلال السوفيات لبلادهم دهراً ثم أعلن بعضهم أنه كان على خطأ: هكذا فقط، من دون أن يترتب على القول شيء آخر؟!
لن يعلّق السوريون اليوم المشانق لأحد، لكن لا بأس بقليل من الخجل، قليل من التواضع، تريدون أن تتخلوا عن الطاغية، وتحتفظون في الوقت عينه بالمجد الذي أعطاكم إياه!

  • اسم الكاتب: راشد عيسى
  • المصدر: القدس العربي
  • رابط المصدر: اضغط هنا

الأكثر قراءة