في عيد العمال ....الأيدي السورية المبدعة تستمر بحياكة أعظم ثورات التاريخ

30.نيسان.2020

كما أن الروابط لا تنفصم بين بناء الحضارة الإنسانية وتطورها وازدهارها وبين قيمة العمل والإعلاء من شأنه ومن شأن اليد التي تنتج وتعطي، كذلك هذه الروابط لا تنفصم بين عيد العمال وبين ما يعنيه ويرمز إليه من عطاء وحقوق وكرامة وعدالة، في هذه الذكرى تحيي الشعوب على مدى المعمورة، أيدي وعقول أبنائها الذين تبنى على قطرات عرقهم الدول وتشاد الحضارة وترفع الصروح، وتستذكر عطاءهم وتعلي جهودهم وتطالب بحقوقهم التي خاض العمال مسيرة طويلة وقدّموا التضحيات لتحصيلها بتفاوت من أمة لأخرى حسب مرحلة التطور السياسي والأخلاقي التي بلغتها حتى بات معيار حقوق العمال مقياس تقدم للدول وتمايز البنى السياسية.

ولعيد العمال عند أهل الأرض التي خطت حرف الحضارة الأول معناه المميز والخاص، فأيدي أبناء سورية التي أهدت البشرية الخيط واللون منذ آلاف السنين واستمرت في العطاء على مرِّ التاريخ وتتالت مساهماتها وتنوعت من النسيج إلى المعمار إلى الفن إلى الصناعة وليس أخرها السيف والبروكار الدمشقي وسواها من مسيرة حافلة منذ فجر التاريخ إلى يومنا هذا، بل إن أيدي وعقول السوريين كفت ثغورها وأمدت الأمصار بالمهرة والصناع على مر الزمان حتى نقل الملوك والسلاطين أمهر الصناع ليشيدوا حواضرهم، كما أسهم السوريون حديثاً في نشأة وتأسيس الدول الشقيقة في الخليج العربي وما زالوا وهم اليوم يبعثون الحياة في أسواق أعمال الدول التي لجأوا إليها وفق ما شهد لهم به القاصي والداني.

حتى أصبح اتقان العمل وحسن الصنعة واليد السورية صنوان ورسّخت تعاليم الدين الحنيف أصول الاتقان وحسن وصدق المعاملات لتضاف إلى الكياسة في العرض واللباقة في التسويق.

أثبتت آلاف السنين التي تعاقبت على هذه الأرض، تجدد الجذور الضاربة في الحضارة التي تستمر في الخلق والأبداع، ورمزية ذلك أن اندثار صناعة سر السيف الدمشقي الذي يحير الباحثين حتى اليوم والتي اندثرت بعد غزو المغول، لم تحل دون أن تسمّى عملية تطعيم السيوف "دمشقة"، كذلك فإن ازدهار صناعة النسيج خلال القرون الثلاثة الأخيرة في سورية ما هي إلا استمرار لكونها الأرض التي وهبت الخيط وألوانه الزاهية للبشر قبل 7000 آلاف عام، فالسوريون بهذا المعنى يستمرون في حياكة قصتهم مع الإبداع والعطاء بخيوط من نور.

ورغم أن الكارثة التي حلّت بالعمال وبالعمل في سورية جرّاء حرب هذا النظام على الشعب الذي ثار من أجل حقوقه، ليست أقل سوءاً من تلك التي حلّت إبّان غزو المغول الذين هدموا الحضارة، ولا همجيته بأقل من همجية المغول، كذلك فإن روح التجدد والانبعاث ما زالت حاضرة كما كانت على مرِّ التاريخ في عقل السوريين الجمعي، واليوم تصارع روح التجدد هذه للبقاء وتنتصر وتبدع في تمسكها بالحياة والاستمرار، سواء في المناطق المحررة من قبضة نظام الإجرام أو في دول اللجوء والشتات، بل إن العاملين من نصف الشعب المهجّر والنازح هم من يحملون في الواقع أعباء معيشة نسبة كبيرة من النصف الآخر القابع تحت وطأة فساد النظام وبطشه، خاصّة وأن نسبة البطالة في مناطق النظام بلغت مستويات فاقت الـ50% ومن يعملون يحصلون على دخل لا يذكر مع انهيار قيمة النقد الوطني والقيمة والقدرة الشرائية، فأفضل الأجور التي يتقاضاها موظفو القطاع العام اليوم لا تزيد عن ما قيمته 100 دولار، ومعظم السوريين في مناطق سيطرة النظام إنما يعيشون على الحوالات المالية التي تصلهم من ذويهم في الخارج، بينما يقتات النظام الذي دمر الاقتصاد، على الجباية ما أمكن من جيوب أهلنا الذين أتعبتهم سنوات الحرب، وعلى ما تمن عليه به حليفته في قتل السوريين إيران التي تسرق من قوت شعبها الفقير لتغذي مشروعها العدواني في المنطقة لقاء خدمات النظام في إفساح الطريق لمشروعها.

وسورية التي كانت تنزف خيرة كفاءاتها والأيدي الماهرة فيها وخبراتها قبل الثورة على مرِّ حكم الأسد الأب ثم الأبن، غادرها أبناؤها بالملايين بعد بدء حرب الإبادة والتدمير التي شنها النظام، لكن سورية هذه قبل كل شيء هي شعبها الخلّاق صاحب ذلك الإرث من القدرة على التجدد، و الذي أصبح محط إعجاب لا بل ومدار حديث الإعلام وحتى حسد البعض أحياناً في قدرته على دخول أسواق واقتصاديات دول اللجوء والشتات، فنجح السوريون في الانخراط في دورة الحياة الاقتصادية لدول اللجوء ورأس مالهم الأول هو إتقانهم وإبداعهم وإصرارهم على الحياة، فنجحت مشاريعهم في تركيا ومصر والأردن وغيرها وتميزوا في كافة المجالات، وأبدعوا في بناء شبكات التكافل التي أجلى مظاهرها التكافل الأسري ثم توسعت حلقاته الاجتماعية والمناطقية ببعدها الإيجابي والذي تزيده جلاء في هذه الأيام قيم الشهر الفضيل وأزمة وباء كورونا، فاليوم يضع السوريون أيديهم بأيدي بعض ليعبروا هذه الظروف الصعبة كما عبروها عبر التاريخ وليلقوا هذا النظام وحقبته خلف ظهورهم في يوم سيأتي لا محالة، وهم من كان يردد (بدك تسقط وبدنا نعيش).

في عيد حقوق العمال وكرامتهم وتقدير عطائهم، تُذكر الهمم العالية والنفوس الباذلة المعطاءة والأيدي الماهرة لأبناء سورية التي ستعود يوماً قريباً إن شاء الله لتبني سورية بسواعد وعقول أبنائها، على نسغ تلك الجذور الضاربة في التاريخ، وتزيل أنقاض النظام وآثار حقبته من تخريب للإنسان وللاقتصاد وللمجتمع وتطوي صفحته للأبد ليعود لبلادنا دورها الريادي في المنطقة والعالم بهمة أبنائها ولتعود قطرات عرقهم لتصب في إعادة بناء ما هدمه النظام، كما تطّهر دماؤهم اليوم أرض الوطن من دنسه، لتصطبغ وتكتمل حياكة الثورة العظيمة بالأرجوان وتقدمها للتاريخ كنهاية حقبة الاستبداد، ليس في سورية وحدها بل في العالم كله.

  • اسم الكاتب: العميد عبد الباسط عبد اللطيف
  • المصدر: شبكة شام

الأكثر قراءة