بوغدانوف - دي ميستورا: هل نضج الحل السوري

19.كانون1.2014

ينصت كل الفرقاء في سوريا بشغف إلى حملة المبادرات لحل ما في سوريا. يجولُ ميخائيل بوغدانوف، نائب وزير الخارجية الروسي، في العواصم مسوّقاً لخطة تتحرى مسارا تسوويا يرث ما أنجز على الورق في جنيف، فيما ستفان دي ميستورا، الدبلوماسي السويدي، يلوح بعلم الأمم المتحدة مدافعا عن مبادرته لتجميد القتال في حلب. لا شيء فوق العادة في السعي الروسي أو الأممي سوى أن الجميع يستمع، ومستعد لأن يستمعَ دون سلبية تحبط مساعي الساعين.

في رد فعل النظام السوري، كما المعارضة، قناعة مشتركة بعقمِ المقاربة العسكرية في حسم الأمور. لم تستطعْ دمشق من خلال الدعم العلني الروسي الإيراني المالي والعسكري والسياسي، ومن خلال التدخل المعلن من حزب الله وفصائل شيعية أخرى، أن تفرضَ رؤاها أو أن تسحقُ معارضيها. ثبتَ أن الحربَ كرٌ وفر، وأن الانتصارات التي يعلنها النظام نهاراً (كتلك التي تحدّث عنها رئيس الوزراء السوري في طهران) سرعان ما ينسفها حلول الظلام (سقوط معسكرات إدلب مؤخراً).

بالمقابل، بات واضحاً أن القوات العسكرية للمعارضة لا تملكُ القضاء على نظام دمشق، كما لا تملكُ خوض معارك على جبهات متعددة، بعد أن بدا أن النصرة وداعش يشكلان خطراً جديداً يتقاطع مع النظام لضرب المنجزات الميدانية للمعارضة المعتدلة.

بالمحصلة، لن يقبل النظام التنازل للمعارضة، لاسيما بعد أن استنفر العالم تحالفاته لضرب داعش والنصرة بما يرجّح موقف دمشق الرسمي المبشّر دوماً بمحاربته للإرهاب، فيما تتعرضُ المعارضة لحصار سياسي عسكري، لا يخفف منه ما يعلَن عن دعمٍ دولي لما هو في تلك المعارضة معتدل.

الجديد أن رواج داعش أدخل عاملاً عاجلاً يحرّك الأمم المتحدة كما روسيا. في التقاء التحرّكيْن ما يشبه السعي الواحد على مسارين، ذلك أن مبادرة بوغدانوف، كما مبادرة دي ميستورا، تنطلقُ من شرفة النظام (بوغدانوف يصرّح في دمشق أنه جاء للقاء القيادة الشرعية السورية) من حيث أن تجميد القتال، والانغماس في نقاش تفصيل ذلك، يلغي نهائياً البحث في العقدة الأساسية التي أجهضت جنيف 1 وجنيف 2 وأي جنيف آخر، وهي موقع بشار الأسد في التسوية النهائية.

في ذلك يبتعدُ النظام والمعارضة إلى أقصى النقيض. مجردُ طرح الفكرة كان وراء انهيار مهمة الأخضر الإبراهيمي وفشل مقارباته واستقالته، كما فشل المفاوضات اليتيمة بين نظام ومعارضة في جنيف أوائل هذا العام. فلا دمشق تقبلُ بنقاش موقع الرئيس في التسوية العتيدة، ولا المعارضة تقبل بغير رحيله.

تنصتُ دمشق إلى مساعي المبعوث الأممي. لا شيء تخسره ولن توافق على التخلي عن منجزٍ ميداني مكتسب. تناقشُ دمشق، من خلال دي ميستورا، عودة موظفيها إلى شرق حلب حيث تسيطر المعارضة، فيما تجميد المعارك في حلب يتيح لها نقل قواتها نحو مناطق صدام أخرى (الغوطة الشرقية مثلا) على ما تخشى المعارضة. بالمقابل تقارب المعارضة مشروع ميستورا بتحفظ وكثير من التساؤلات، على نحو يناقض التفاؤل الذي أعلنه الرجل بعد لقائه المعارضة في غازي عنتاب.

تخشى المعارضة من تدابير تقنية ميدانية لا يواكبها مشروع سياسي شامل، كما تخشى استغلال داعش والنظام لوقف المعارك للانقضاض على مناطق المعارضة. ثم أن المعارضة تشكو من غياب التفاصيل وضبابيتها حول الجهة الضامنة والمرجعية بعد فشل محاولات عربية أممية سابقة لمراقبة الاتفاقات.

في حركة وليد المعلم بين موسكو وطهران، وفي حركة دي ميستورا وبوغدانوف على من يهمه الأمر في العالم والإقليم، ما يوحي بجدية ما يستورد حديثا من بضاعة أممية روسية لتنشيط ورشة حل. في تجوال الموفد الأممي في أوروبا ما يفرج عن أزمة أوروبية – أميركية في أن لا مكان للأسد في التسوية المقبلة، فيما لندن، كما باريس، تحذّر مما تخشاه المعارضة بشأن خطر استغلال النظام لدي ميستورا، وخططه لتحريك قواته بشكل مريح.

واضح أن تنظيم داعش يتقدّم بصفته خطراً مشتركاً يعجّل في قلب التحالفات الدولية والإقليمية. داخل المعسكر الدولي لمكافحة تنظيم البغدادي تنشطُ دول إقليمية بمستويات متفاوتة. واشنطن تعترفُ بمشاركة عسكرية إيرانية في ضرب مواقع لداعش في العراق، فيما دولٌ عربية مناوئة لإيران تشاركُ الحلف الدولي قتال داعش. بدا من تقديرات الخبراء أن داعش بات خطراً جدياً يهددُ النظام الجيواستراتيحي برمته، ما يستدعي، ربما، هذه العجالة الروسية الأممية للإعداد لحل في سوريا.

مفتاحُ الحل مصيرُ الأسد في التسوية المقبلة. لا شيء معلن في هذا الصدد في موسكو وطهران، لكن ما هو غير معلن، وبعضه مسرّب، يتحدث عن تبدّل في مواقف العاصمتين بما يوحي ببدء القبول بنقاش دور أو لا دور للأسد في التسوية المقبلة. على أن السيناريوهات ما زالت مجمّعة على دور يتراوح بين الأساسي والمؤقت للرئيس السوري، فيما السيناريوهات المؤقتة تتحدثُ عن دور انتقالي يتراوح ما بين 6 أشهر وسنتين.

لا تملكُ المعارضة طرد الأسد من الحكم، لكنها تملك تعطيل أي تسوية لا تضمن ذلك. بدا أن المعارضةَ صارت مقتنعة بالتسوية التي تخلط حلا تشارك فيه المعارضة كما النظام بعد إبعاد نواته وشخصياتها المتورطة بالدم (لاحظ تصريحات زهران علوش قائد “جيش الإسلام”). استمع بوغدانوف كما دي ميستورا للمعارضة في تركيا، لاحظوا الحذر والتحفظ والقلق. لكنهم لاحظوا أيضاً ما يشجّعهم على المضي في ورشاتهما.

تتأسسُ المقاربتان على صمت أميركي يشبه القبول. الموقف الأميركي الرسمي الروتيني يُحمّل الأسد مسؤولية رواج داعش (وفق كيري على سبيل المثال لا الحصر) ولا يريده جزءا من الحل المحتمل، بالمقابل لا تقترب نيران التحالف ضد داعش مما يهدد أو يقوّض قوة دمشق. لا تريد واشنطن أن تُغضبَ أو تستفزَ طهران في سوريا، فتترك للدبلوماسييْن الروسي والأممي مقاربة الأمور بما تيسّر. في السلوك الأميركي ما يشبه الاستسلام للرؤى الروسية (الإيرانية) في الشأن السوري، فيما الحليف الأوروبي يواكب المسعى الروسي ويعمل على تصويبه بما لا يشكل اختراقا للمسلمات الغربية في الشأن السوري (ينبغي تأمل الأنباء التي تحدثت عن احتمال إعادة إيطاليا رئيسة الاتحاد الأوروبي لسفارتها في دمشق). وفيما يروق للبعض أن ترى في مبادرة دي ميستورا وجهاَ آخر لمبادرة موسكو، فقد يجوز تأكيد ذلك، ويجوز قراءتها، وتلك الروسية، بأنهما متسقتان مع مقاربة الولايات المتحدة في الشأن السوري (لاحظ جهود المشرف الأميركي على الملف السوري السفير دانيال روبنشتاين في التأثير على خطط لجمع المعارضة في موسكو منتصف الشهر المقبل).

مبادرة بوغدانوف ودي ميستورا خطان متوازيان يلتقيان بإذن واشنطن. تولّت روسيا تفكيك الترسانة الكيميائية السورية حين أرادت الولايات المتحدة ذلك، وهي اليوم تتحرك وفق نفس الروح، وتذهب هذه المرة للتبشير بحوار بين دمشق وواشنطن في العاصمة الروسية (حسب بوغدانوف). لا تملك موسكو النفخ برياح ضد الأشرعة الأميركية في اليم السوري، ذلك أن العقوبات الغربية المتصلّة بالأزمة الأوكرانية (لاسيما إفراج الكونغرس عن “معدات قاتلة” لأوكرانيا)، معطوفة على التراجع المقلق في أسعار النفط، وانهيار سعر الروبل لا يتيح للكرملين هامشاً مريحاً لممارسة العناد.

لا تغيب دول الخليج عن أجواء المبادرات. ثلاث ساعات من المداولات بين دي ميستورا وسعود الفيصل تعكسُ اهتماماً سعودياً بنقاش مسعى “حلب أولاً”. يذكّر المراقبون أن همّة بوغدانوف أتت بعد زيارة وزير الخارجية السعودي لموسكو الشهر الماضي. وتتردد أنباء عن جهد أردني مصري مشترك لتسويق التسوية لدى دول الخليج (قد تعبّر عنه زيارة الرئيس السيسي لعمّان). أصحاب المبادرات يدركون أن تمرير التسوية العتيدة لا يمكن أن يمر دون مباركة خليجية تركية، ما زال الخليجيون بعيدين عن هضمها، كما تكشفُ تصريحات وزير الخارجية التركي (مولود شاوش) قبل أيام في طهران كم أن أنقرة ما زالت بعيدة عن رؤى طهران (وموسكو) في مقاربة الشأن السوري.

منذ تبشير معاذ الخطيب بالحلِّ الروسي، وموسكو هي قِبلة النظام والمعارضة على طريق التسوية العتيدة. تعمل موسكو على نسج ثوب سياسي لورشة دي ميستورا الميدانية. لا يعمل الأخير على تجميد القتال فقط (حلب أولا)، بل يبشّر بإدارة مشتركة، بين نظام ومعارضة للمناطق التي يشملها الاتفاق. ربما يسعى الرجل إلى إرساء نموذج محليّ محدود لحلّ يتمدد ليكون شاملاً. أما ضمانات ذلك على حدّ تعبير دي ميستورا فهي على عاتق “الله”، ذلك أن عجز البشر عن الخروج بالترياق يحتاج إلى كثير من الدعاء، وربما استسلام لما هو قدر.

  • اسم الكاتب: محمد قواص
  • المصدر: العرب
  • رابط المصدر: اضغط هنا

الأكثر قراءة