طباعة

أحداث كوباني تزيد متاعب تركيا وتهدد مسيرة السلام بين الحكومة والأكراد

18.تشرين1.2014

اسطنبول – «القدس العربي»: تتصاعد بشكل متسارع حدة المصاعب والتحديات التي تواجه الحكومة التركية في ظل موجة احتجاجات دموية شهدتها البلاد هددت بانهيار «مسيرة السلام» مع الأكراد، بالتوازي مع توسع سيطرة «داعش» على الحدود السورية مع تركيا، وسط خشية أنقرة من محاولات دولية لتوريطها في عملية برية ضد التنظيم دون تلبية مطالبها بإقامة منطقة عازلة تساهم في إسقاط النظام السوري.
وبعد أكثر من عامين من مفاوضات «غبر مباشرة» بين الحكومة وعبد الله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني يبدو أن»مسيرة السلام» تواجه أصعب تحدياتها عقب الاحتجاجات الواسعة التي قادها الحزب داخل البلاد ضد الهجمات التي يشنها تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» على مدينة عين العرب «كوباني» ذات الأغلبية الكردية، في سوريا، والمطالبات بتدخل الجيش التركي لحماية المدينة من السقوط في يد التنظيم الذي بات يسيطر على معظم أحيائها.
وبحسب رئيس الوزراء التركي «أحمد داود أوغلو» فإن الإحتجاجات الواسعة التي قادها الأكراد في البلاد أدت إلى مقتل 33 مواطنا وعنصرين من الشرطة، وإصابة  135 شرطيًّا بجروح، وإحراق 531 سيارة شرطة، و631 سيارة مدنية، إضافة إلى تخريب 1122 مبنى؛ بينها 214 مدرسة، ومراكز تعليم القرآن الكريم، ومتاحف ومكتبات، وأعلنت مصادر طبية في وقت لاحق وفاة أحد الجرحى مما رفع إجمالي عدد قتلى الأحداث إلى 36 قتيلاً.
وعلى الرغم من توقف الاشتباكات منذ عدة أيام إلا أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وأركان الحكومة واصلوا توعدهم بملاحقة المسؤولين عن الأحداث وتقديمهم للمحاكمة بتهم التسبب في وفاة مدنيين وقتل رجال شرطة، بالإضافة إلى إثارة الشغب والإخلال بالأمن العام، وسط اتهامات لأطراف خارجية بالعمل على استغلال الأحداث لـ»زعزعة استقرار البلاد ونشر الفوضى».
واعتبر أردوغان أن الاحتجاج من أجل (كوباني) هو «مجرد ذريعة لإستهداف الوحدة الوطنية في تركيا» متهماً حزب «العمال الكردستاني» وحزب «الشعوب الديمقراطي» بالوقوف وراء هذه الأحداث، فضلا عن حزب المعارضة الرئيسي «الشعب الجمهوري»، وبعض وسائل الإعلام في الداخل والخارج، و»القوى الظلامية التي تقوم بعمليات عبر الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي».
وتحاول الحكومة التركية بشكل متواصل التفريق بين المواطنين الأكراد وعناصر حزب العمال الكردستاني الذي تعتبره منظمة «إرهابية» في محاولة لنزع شرعية تمثيل الحزب عن المواطنين الأكراد، وحشد الدعم لـ»مسيرة السلام» التي تهدف للتوصل إلــى حل نهائي للقضية الكردية ومنحهم المزيد مـــن الحقوق والحريات، بعد عشرات السنوات من القتال أدت إلى مقتل أكثر من 40 ألف شخص.
وفي هذا الإطار قال أردوغان: «هؤلاء يُظهرون للعالم بأسره كم هم همجيون، عبر إحراق مدارس، ومتاحف، ومكتبات، وكتب، ويفعلون ذلك بصورة متعمدة، كي لا يتعلم الأكراد، ويبقون جاهلين، ولكي لا يذهب الأطفال الأكراد إلى المدارس، لأنهم إذا درسوا فلن يقعوا فريسة لمكائدهم، واستغلالهم».
وهدد الرئيس التركي منظمي الإحتجاجات بشكل غير مسبوق، قائلاً: «تركيا ليست دولة ترضخ أمام حفنة منهم، لقد أضرموا النار في الممتلكات، لكنهم سيدفعون الثمن غاليًا، ونحن سنبني ما هو أجمل مما دُمر»، مضيفاً: «لا نرضخ لهؤلاء الذين يلعبون دور المطية في يد جهات دولية قذرة، بذريعة كوباني، وسنحاسبهم على ذلك».
وتعتقد العديد من الأوساط التركية ان أطرافاً دولية تهدف من خلال اثارة الإحتجاجات الداخلية والهجوم الإعلامي على تركيا واتهامها بدعم التنظيمات الإرهابية إلى دفع أنقرة للدخول في التحالف الدولي وشن حرب برية ضد «داعش» في سوريا بشكل منفرد، وهو ما يجعل الحكومة التركية تتردد في الالتحاق بالتحالف الذي يشن هجمات جوية ضد التنظيم منذ نحو الشهرين في سوريا والعراق.
وفي تصريحات أخرى، اعتبر أردوغان أن «اللعبة التي تُحاك ضد تركيا في الوقت الراهن واضحة للجميع» متعهداً بمواصلة «نضاله وكفاحه من أجل خدمة تركيا وشعبها»، بحسب قوله، لافتاً إلى أن هدف الإحتجاجات «تعطيل مسيرة السلام التي تهدف إلى إنهاء أعمال العنف والإرهاب التي شهدتها تركيا على مدار عقود».
وقال: «بعض الصحف، والمجلات الدولية قالت بلهجة مشتركة، إن مسيرة السلام الداخلي في تركيا تنتهي (…) إننا لا نضحي بمسيرة السلام من أجل الإرهاب، والمنظمات الإرهابية، ومكائدها الدموية، إن مسيرة السلام، هي مسيرة «أخوة»، وإن شاء الله تركيا ستؤسس لأخوة (77) مليون مواطن فيها».
وأعلن نائب رئيس حزب العدالة والتنمية التركي «بشير أطلاي»، الخميس أن الأيام المقبلة ستشهد حركة متسارعة، في مسيرة السلام الداخلي، نافياً ما سماها «الإشاعات» التي تحدثت عن إمكانية نقل «عبد الله أوجلان»، من معتقله إلى معتقل آخر.
وفي الوقت الذي اعتبر فيه نائب رئيس الوزراء التركي بولنت أرينغ «أن المسألة ليست مسألة كوباني بل هي الرغبة في القيام بتمرد طالما فشلوا في تحقيقه، ولن يوفقوا في تحقيقه بعد الآن، بل سنقلب الدنيا على رؤوسهم». وجه صلاح الدين دميرطاش زعيم حزب «الشعوب الديمقراطي» المعارض (ذو الغالبية الكردية) انتقادات للحكومة التركية، مؤكدا أن حزبه لم يطلب تدخل الجيش التركي، من أجل إنقاذ مدينة «كوباني» السورية، بل طلب «فتح ممر لعبور المقاتلين الأكراد من تركيا»، من أجل المساهمة في الدفاع عن المدينة، على حد قوله.
ونفى دميرطاش في كلمته أمام الكتلة النيابية لحزبه، مسؤولية الحزب عن أحداث الشغب التي رافقت المظاهرات، وحذر من أنه في حال سقوط كوباني، فإن المدينة ستشهد مجازر، معتبرا أن «الحكومة التركية ستكون مسؤولة عن ذلك نظرا لعدم فتحها ممرا لعبور المقاتلين الأكراد».
من جهته اعتبر رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو أن «مسيرة السلام الداخلي» مستمرة «بإرادة الحكومة التركية، وليس برغبة أي تنظيم، والأكراد والأتراك تربطهم أواصر تاريخية قديمة جمعت بينهم على هذه الأرض».
وترأس أوغلو، الخميس، اجتماعاً لمناقشة التطورات في «مسيرة السلام الداخلي» بعد الأحداث التي شهدتها البلاد، في مقر رئاسة الوزراء في العاصمة أنقرة، بمشاركة وزير الداخلية فاكان ألا والدفاع عصمت يلماز وحقان فيدان، رئيس هيئة الاستخبارات، والمهندس الأول للمفاوضات.
وشملت المرحلة الأولى من «عملية السلام» وقف عمليات حزب «العمال الكردستاني» وانسحاب عناصره خارج الحدود التركية، وقد نفذ شق كبير منها، فيما تتضمن المرحلة الثانية عددا من الخطوات الرامية لتعزيز الديمقراطية في البلاد، وصولا إلى مرحلة مساعدة أعضاء المنظمة الراغبين في العودة إلى البلاد، على العودة، والإنخراط في المجتمع.
وتقول الحكومة التركية انها استقبلت 200 ألف لاجئ، فروا نتيجــــة هجوم «داعش» على مدينة عين العرب (كوباني) بدون أي مســــاءلة، وقال أوغلو: «تركيا هي الدولة الوحيدة في العالم التي قدمت أكثر المساعدات الملموسة من أجل كوباني، ومدت يد العون للمدنيين فيها، حيث فتحت أبوابها أمامهم، واستضافت 200 ألف لاجىء قادم منها».

إسماعيل جمال

  • اسم الكاتب: إسماعيل جمال
  • المصدر: القدس العربي
  • رابط المصدر: اضغط هنا