«فولكلور أممي» وملايين المنكوبين

20.أيلول.2016

تبدأ في نيويورك اليوم الاجتماعات السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة والتي تشكل مناسبة لقادة الدول الـ193 الأعضاء في المنظمة، لمخاطبة نظرائهم والعالم ومناقشة ملفات عدة والبحث عن تسويات لأزمات. ودرجت العادة أن تعقد على هامش اجتماعات الجمعية العامة، قمم تركز على مواضيع محددة تتطلب أوسع قدر من التعاون بين الدول.

وفي كل عام تكون الاجتماعات فرصة لظهور وجوه جديدة على المسرح العالمي، كما سيكون الحال بالنسبة إلى رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، ومناسبة لوداع آخرين وأبرزهم هذه السنة الرئيس الأميركي باراك أوباما المنتهية ولايته والأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون الذي سيكون التنافس على خلافته أحد المواضيع المطروحة على هامش الاجتماعات، علماً أن اختيار خلفه أمر متروك لمجلس الأمن.

وهذه الدورة الـ71 للجمعية العامة للأمم المتحدة التي عقدت أولى جلساتها في لندن في العام 1946. وعلى امتداد تلك السنوات الطويلة، قلما علقت في الأذهان أحداث مميزة تخللت اجتماعات الجمعية العامة، مثل إقدام الزعيم السوفياتي نيكيتا خروتشوف على الضرب بحذائه على الطاولة متوعداً الأميركيين، أو الظهور الأول للزعيم الفلسطيني ياسر عرفات أو الخطاب الأخير للزعيم الليبي معمر القذافي.

والملفت أيضاً أن أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة قلما شكلت بحد ذاتها منطلقاً لمبادرات تاريخية، بل شكلت فرصة لعقد قمم على هامشها لهذا الغرض. ولعل أبرز المناسبات من هذا النوع هذا العام، اللقاءات حول أزمة المهاجرين واللاجئين والتي استهلت بقمة مطلع الأسبوع نوقشت خلالها أزمة الهجرة الأخطر من نوعها منذ الحرب العالمية الثانية والمتداخلة مع الفوضى المستحكمة في ليبيا وأيضاً مع النزاع السوري الذي برزت قناعة أخيراً على أن حله بات كالعادة في عهدة التسويات الأميركية - الروسية.

وكانت قمة الهجرة موضع انتقادات حتى قبل انعقادها بأيام، وذلك لتبنيها إعلاناً سياسياً بدائياً، لم يتضمن أهدافاً محددة بأرقام ولا التزامات قاطعة عن كيفية تقاسم أعباء اللاجئين الذين ناهز عددهم 24 مليوناً (فضلاً عن 41 مليون نازح داخل بلدانهم)، وهو رقم مخيف بحد ذاته، بل اقتصر الإعلان على تأكيد «احترام الحقوق الأساسية» لهؤلاء وعلى التعاون الدولي من أجل مكافحة تهريب البشر، إضافة إلى محاربة العنصرية والعداء للأجانب في الدول التي تستضيفهم وحق أطفالهم في التعليم.

ومع غياب الأهداف المحددة والالتزامات الواضحة حيال موضوع الهجرة، باتت الآمال في هذا الشأن معلقة على قمة ثانية يستضيفها أوباما اليوم، ستخصص لجمع مساهمات الدول وتعهداتها المالية تجاه المهاجرين والنازحين لدعم البرامج الإغاثية عالمياً.

لا شك في أن قضية اللاجئين سببت ضغوطاً هائلة على دول أخذت تفقد قدرتها على التحمل، مثل اليونان وأيطاليا، ما بدأ يهدد بخلافات أوروبية، تجسدت بوادرها في انتقادات حادة وجهها رئيس الحكومة الإيطالي ماتيو رينزي إلى الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند والمستشارة الألمانية انغيلا مركل، وهي انتقادات تكاد ترقى إلى مستوى اتهامهما بعدم المبالاة حيال معاناة بلاده مع الهجرة.

سيكون قدر كبير من الأضواء مسلطاً على نيويورك هذا الأسبوع، لكن الواقعية السياسية تقتضي عدم الرهان كثيراً على ما يجري أمام الكاميرات بل خلف الكواليس، خصوصاً في لقاءات ممثلي الدول الكبرى مع مندوبي قوى إقليمية فاعلة، غير أن الرهان الأساسي يبقى التوصل إلى تفاهمات، أقله في ما يتعلق بإدارة أزمة اللاجئين، لئلا تتحول الاجتماعات في نيويورك إلى مجرد «فولكلور» أممي لا يقدم ولا يؤخر في الاستحقاقات والأزمات.

  • اسم الكاتب: سمير السعداوي
  • المصدر: الحياة اللندنية
  • رابط المصدر: اضغط هنا

الأكثر قراءة