حين يتحول التأديب إلى خوف.. كيف يؤثر الضرب في نفسية الطفل وعلاقته بالمدرسة؟
حين يتحول التأديب إلى خوف.. كيف يؤثر الضرب في نفسية الطفل وعلاقته بالمدرسة؟
● مجتمع ١٦ سبتمبر ٢٠٢٦

حين يتحول التأديب إلى خوف.. كيف يؤثر الضرب في نفسية الطفل وعلاقته بالمدرسة؟

أعاد الجدل حول العقاب الجسدي في المدارس السورية النقاش بشأن الحدود الفاصلة بين ضبط سلوك الطالب وتعريضه للعنف، بالتزامن مع تداول مقطع مصور لطفل قيل إنه ترك المدرسة بعد تعرضه للضرب من معلمه في إحدى مدارس الرقة، وما أثارته الواقعة من تساؤلات حول الآثار التي يمكن أن يتركها التعنيف على الطفل، خصوصاً خلال سنواته الدراسية الأولى.

وتزامن النقاش مع جلسة لمجلس الشعب شهدت طرحاً يدعو إلى إعادة النظر في المنع الكامل للعقاب الجسدي والسماح به ضمن ضوابط محددة، في مقابل موقف وزير التربية والتعليم محمد عبد الرحمن تركو الذي رفض استخدام الضرب في العملية التعليمية، مؤكداً أن "الضرب يروض ولا يربي"، لتعود القضية إلى الواجهة بين من ينظر إلى العقوبة باعتبارها وسيلة لضبط الصف، ومن يحذر من نتائجها النفسية والتربوية.

عندما يصبح المعلم مصدراً للخوف

قال الأخصائي النفسي السريري بيرم جمعة، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن السنوات الأولى من حياة الطفل تشكل مرحلة أساسية في بناء شخصيته وتطوره النفسي والعصبي، إذ يبدأ خلالها بتكوين إدراكه لذاته وللعالم المحيط به اعتماداً على مقدار الأمان الذي يحصل عليه من الأشخاص والبيئات التي يتعامل معها.

وأوضح جمعة أن الطفل في الصفوف الأولى يبدأ بتوسيع دائرة ثقته خارج الأسرة، ويصبح المعلم إحدى الشخصيات المرجعية المهمة بالنسبة إليه، ولذلك فإن تحول هذه الشخصية من مصدر للأمان والتعلم إلى مصدر للتهديد يمكن أن ينعكس على ثقته بالآخرين وعلاقته بالمدرسة.

وأشار إلى أن التعرض للعنف قد يرتبط بظهور القلق والشعور بعدم الأمان وتراجع تقدير الذات واضطرابات النوم والكوابيس، وقد تظهر لدى بعض الأطفال تغيرات أخرى مثل الانعزال أو التبول اللاإرادي، مع اختلاف طبيعة الاستجابة وشدتها من طفل إلى آخر تبعاً للظروف المحيطة به وتكرار التعنيف وطبيعته.

من الخوف إلى رفض المدرسة

وبيّن جمعة أن تكرار التجربة المؤلمة داخل المدرسة يمكن أن يجعل الطفل يربط المكان أو المعلم بالخوف، فيما وصفه بعملية "ارتباط شرطي"، بحيث تتحول البيئة التي يفترض أن ترتبط لديه بالتعلم والأصدقاء إلى مكان يتوقع فيه التعرض للأذى.

وأضاف أن هذا الخوف قد يظهر أحياناً في صورة رفض للذهاب إلى المدرسة أو شكاوى جسدية مثل المغص والصداع، وقد يتطور، إذا استمرت المشكلة ولم تعالج، إلى الغياب المتكرر والابتعاد عن التعليم، ما يجعل التعامل المبكر مع مؤشرات الخوف مهماً لمنع ترسخها.

وأكد أن العقاب الجسدي قد يوقف سلوكاً غير مرغوب فيه بصورة مؤقتة بسبب خوف الطفل من الألم، لكنه لا يساعد بالضرورة على فهم سبب خطأ السلوك أو تعلم بديل مناسب، وقد يدفع بعض الأطفال إلى الكذب لتجنب العقوبة أو العناد أو توجيه العدوان نحو أقران أضعف.

ورأى أن إحدى الرسائل الخطرة التي يمكن أن يتعلمها الطفل من الضرب هي أن استخدام القوة وسيلة مقبولة لحل المشكلات أو فرض السيطرة، وهو ما قد ينعكس لاحقاً على طريقة تعامله مع الآخرين.

بدائل تربوية لضبط السلوك

وتحدث جمعة عن مجموعة من الأدوات التي يمكن استخدامها داخل الصف بدلاً من العقاب الجسدي، من بينها تعزيز السلوك الإيجابي بالمدح أو المكافآت الرمزية، ووضع قواعد واضحة منذ بداية العام الدراسي، وربط المخالفات بعواقب تربوية محددة ومتناسبة، مثل الحرمان المؤقت من امتياز معين.

وأشار إلى إمكانية تجاهل بعض السلوكيات البسيطة التي يكون هدفها جذب الانتباه، واستخدام مساحة هادئة داخل الصف لمساعدة الطفل على تنظيم انفعالاته عندما يكون غاضباً، إضافة إلى الاستماع إليه ومحاولة معرفة الأسباب التي تقف خلف سلوكه، والتي قد ترتبط بصعوبة دراسية أو مشكلة أسرية أو حاجة نفسية لم يتم الانتباه إليها.

وأكد أن العلاقة الإيجابية بين الطالب والمعلم تساعد على إدارة الصف، إذ يصبح الالتزام بالقواعد مرتبطاً بالثقة والاحترام والانتماء إلى البيئة المدرسية، بدلاً من الخوف من العقوبة.

لماذا يلجأ بعض المعلمين إلى الضرب؟

قال أسعد الرحمون، مدير مدرسة في بلدة تلمنس تضم نحو 650 طالباً، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن إدارة الصف تقوم على مجموعة من المهارات التي يمكن تعلمها وتطويرها، ولا ينبغي اختزالها في القدرة على فرض السيطرة بالقوة.

وأوضح الرحمون أن بعض المعلمين قد يلجؤون إلى العقاب الجسدي نتيجة نقص التدريب على إدارة الصف والتعامل مع السلوكيات الصعبة، إلى جانب الضغوط التي يواجهونها نتيجة ارتفاع أعداد الطلاب وكثرة الأعباء الإدارية، وما قد يرافق ذلك من إجهاد واحتراق نفسي.

وأشار إلى تأثير بعض الموروثات التربوية التي تربط الانضباط بالخوف، إضافة إلى رغبة المعلم أحياناً في إيقاف السلوك المزعج بصورة فورية، ما قد يدفعه إلى اختيار العقوبة الأسرع من دون تقدير آثارها النفسية والتربوية بعيدة المدى.

وبيّن أن المعلم يستطيع التدخل تدريجياً من خلال التواصل البصري والإيماءات والاقتراب من الطالب من دون قطع الدرس، أو تغيير مكان جلوسه، ثم الانتقال عند الحاجة إلى التنبيه الفردي والعواقب المنطقية واستدعاء ولي الأمر، بالتوازي مع تعزيز السلوك الإيجابي عندما يظهر.

المدرسة والأسرة شريكان في الحل

ونوه جمعة إلى أهمية دور المرشد النفسي المدرسي في التدخل المبكر مع الأطفال الذين تعرضوا للتعنيف، ومساعدتهم على استعادة شعورهم بالأمان والثقة بالبيئة التعليمية، إضافة إلى تقديم المشورة للمعلمين حول التعامل مع المشكلات السلوكية وفهم الدوافع التي تقف خلفها.

وأشار إلى أن المرشد يمكن أن يؤدي دوراً في الربط بين الطالب والمعلم والأسرة، بما يسمح ببناء خطة مشتركة لمعالجة المشكلة، بدلاً من ترك المعلم وحيداً أمام حالات سلوكية قد تحتاج إلى تدخل نفسي أو اجتماعي متخصص.

وأكد الرحمون بدوره أهمية توفير مختصين أو موجهين للتعامل مع الحالات المعقدة، وتنظيم دورات مستمرة للمعلمين حول مهارات التواصل والإدارة الصفية، إلى جانب التعاون مع الأسرة ومناقشة المشكلات في مراحلها المبكرة قبل تفاقمها.

وشدد على أن دور الأسرة يشمل متابعة سلوك الطفل وتعزيز القيم الإيجابية والتواصل المستمر مع المدرسة، مع الحفاظ على مكانة المعلم التربوية أمام الطالب من دون أن يعني ذلك تبرير العنف أو تجاهل أي تجاوز قد يتعرض له الطفل.

ويضع الجدل المتجدد حول ضرب الطلاب القضية أمام سؤال يتجاوز السماح بالعقوبة أو منعها إلى قدرة المدارس على توفير أدوات بديلة تساعد المعلم على إدارة الصف وحماية حق الطالب في بيئة آمنة، إذ يتطلب الحد من العنف تدريب الكوادر التعليمية، وتفعيل الإرشاد النفسي، وتعزيز التواصل مع الأسر، والتعامل مع السلوك الصعب باعتباره مشكلة تحتاج إلى فهم ومعالجة تربوية بدلاً من الاستجابة لها بالقوة.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ